فوانيس ملوّنة - بقلم: أحمد أيوب أيوب

1. على سطح بيتنا صفّت مجموعة من أحواض الزرع التي تحوي زهور الخبيزة، والقرنفل، والمردقوش، والفلفل، والنعناع، والحبق. وفي أحد هذه الأحواض، ارتفع طبق من القش مصنوع من سنابل القمح، وفي واحد آخر ارتفع عود رفيع على رأسه قشرة بيضة دجاجة تتحرك عند مرور كل نسمة هواء محدثة خشخشة فتمنع العصافير من الاقتراب من الزرّيعة. وعلى سطح بيتنا كانت والدتي تقف منتصبة تحت اشعة الشمس تنشر على حبل الغسيل اغطية اللحف البيضاء.

حينما كان والدي يعود الى البيت مساء بعد يوم عمل شاق بالأرض، لم تكن والدتي تقدم له الطعام بوصوله، بل كانت تستقبله ببشاشة قائلة: الله يشدك بالعافية ويديمك فوق رؤوسنا، ثم تسأله إن كان يرغب في الطعام.

إن كنت استطيع ان اشتري كوفية وعقال كالكوفية والعقال التي كان يلبسها والدي. إلا انني لا استطيع ان اشتري رأسا فيه وجه وعقل والدي.

في المساء، وعلى ضوء وابور الكاز، قرب الموقد، كان اخي يجوّد القرآن، ووالدي يربت على ظهره ويحييه مشجعا وحبات مسبحته تتهاوى واحدة بعد الاخرى في ايقاع يتناغم مع دموعه التي تتساقط من عينيه من خشية الله.

اشياء كثيرة ترددت على مسامعي وأنا صغير ولم أرها. ولكن اتذكرها الآن كبصيص نور مثل خيط من خيوط اشعة الشمس يصلني من ثقب صغير في جدار داخل بيت مظلم (نام يا حبيبي نام تذبحلك طير الحمام). اغنية كانت ترددها لي امي كثيرا وأنا صغير. هذه الأغنية هي مهد كل الاغاني. انها الوسادة التي اسند عليها رأسي المتعب. وهي ذلك الحصان الذي يحملني الى ارجاء الدنيا كلها. وهي النبع الذي أنهل منه عندما اعطش. والموقد الذي ينشر الدفء في كياني.

2. يا لروعة صبايا قريتنا وهنّ عائدات من العين وقد ملأن جرارهن بالماء، يتهادين بخطاهن الرشيقة، وملابسهن الزاهية. ويرددن بحياء العذارى اعذب الأغاني الفولكلورية.

رزق الله ايام كنا نجلس على سطح بيتنا تحت ضوء القمر في الصيف، وقد فرشنا الفراش بجانب القمح المسلوق (اولبي) نتسامر في الليل ونعد النجوم، وتحكي لنا العجائز الحكايا، وتتهامس الصبايا، وتتوتر المشاعر عند ذكر المواقف التي فيها.. الحرامي، الجن والغول.

ونحن صغار كنا نأكل اعشابا برية كثيرة ونتلذذ بها. وعندما كبرنا تيقنت ان ليس هناك مرض ليس له في قريتنا عشبة تشفيه. لقد كانت قريتنا صيدلية طبيعية.

ان صوت هدير بابور الطحين، وكثرة الوافدين ببهائمهم التي تحمل الحبوب لطحنها، كان دليل خصب ووفرة رزق. كما ان صوت هدير بابور الزيت، وازدياد ارتفاع تل الجفت في الساحة امام البابور لدليل على قدسية الارض التي تنبت شجرة الزيتون المباركة. ان لصوت هدير البابور ايقاعاً جميلا كان يتردد في سماء بلدتنا سحماتا.
الجفت هو مخلّفات حب الزيتون بعد عصره.
بابور الطحين مكان فسيح مجهز بالمكائن لطحن القمح وسائر انواع الحبوب.
بابور الزيت عبارة عن معصرة لزيت الزيتون، غير أنها معصرة ضخمة حديثة تعتمد الوسائل التكنولوجية، مزودة بأنواع من الآلات المختلفة وعدد من الفلاتر للتصفية وفحص العينات من الزيت بصورة اتوماتيكية.

اربع وستون سنة.. هي ثلاثة وعشرون ألفا وثلاثمائة وستون يوما عشتها منذ ولدت وحتى الآن. زرت خلالها بلدانا كثيرة، وقطعت طرقا طويلة، وشاهدت جبالا وسهولا، وديانا وبحارا. مما ترك لدي انطباعات وذكريات لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك لم أر ما هو أجمل من.. سحماتا..

3. أطفالنا وهم صغار يبكون ويضحكون ولا يستطيعون ان ينطقوا بكلمة. ولكن من المؤكد انه سيأتي اليوم الذي يقولون فيه امام جماهير العالم (وهكذا حررنا فلسطين بالحجارة).

عند كل مناسبة عزاء وأثناء دفن المتوفى تمر في مخيلتي صورة لمقبرة بلدتنا سحماتا قرب كروم التين، حيث القبور القديمة وقد نمت عليها الاعشاب مجاورة القبور الجديدة، لوحة بنورامية آتية من اعماق الماضي مختزنة في اعماق الذاكرة.

في كل دائرة من دوائر الحكومة التي تتقدم اليها بطلب وظيفة، يسألونك في الطلب عن كل شيء. الديانة، المذهب، المدينة، القرية، الهواية بمختلف انواعها. ولكن لا يسألونك سؤالا واحدا يتعلق بحب الوطن.

بعض السياسيين في بلادنا لا يملكون الانتماء للوطن. ويفتقدون الكبرياء وعزة النفس. ويتشدّقون بأفكار ومصطلحات غربية كي يروجوا خواءهم الفكري، واخفاء عجزهم وراء بريق شكلهم. ولكن ما جدوى ان تلبس قبعتك على جانب رأسك اذا كان رأسك كله فارغا من حب الوطن؟

لو قدّر لأبكمَ ان يسمع لمرة واحدة الخطاب السياسي للقادة العرب لاستعاذ بالله وطلب رحمته للعودة أبكمَ.

كنا في الماضي نشتري الجريدة لنقرأ الخبر. ولكن في ايام ناجي العلي صرنا نشتري الجريدة لنقرأ الصورة.

بعد انعقاد احد مؤتمرات قمة الزعماء واعلان البيان الختامي للمؤتمر. امرأة فلسطينية من بلادي، قتل شارون ولدها وزوجها وأخاها دعت عليه قائلة: اسأل الله ان يجف لسانك يا شارون وكل الزعماء معك. وتفقدوا الذاكرة، وتتلعثم ألسنتكم، وتغيبوا عن وعيكم، وتنتفخ بطونكم، ويكره الناس النظر اليكم. ولتكونوا عبرة لمن يعتبر. وليجمعني الله بكم لأرى عدالة حكمه فيكم آنذاك. فهل يفهم الزعماء دعاء هذه المرأة..؟ ام لأنهم لا يحسنون حمل الامانة، فهم لا يحسنون السمع؟ (صم بكم عمي فهم لا يعمهون).

4. عندما اجلس للكتابة، لا انقل من الكتب لأخدع القرّاء وأسليهم. ولكن لأريهم بصماتي باضاءة فانوس ربما يزيل عتمة طريق.

ان الاسم الجميل يجمّل صاحبه. ولكن الاسم نفسه يجمله صاحبه. تماما كالكتاب. فالاخراج الجيد لا يستطيع ان ينقذ الكتاب الرديء. ولكن المضمون الجيد للكتاب ينسيك اخراجه الرديء.

ونحن في الصف الثاني ابتدائي، حضر مفتش المعارف مع مربي الصف وأخذ يسأل التلاميذ وسألني: ما معنى قميصه ممزق؟ فأجبته: ان قميصه ممزع. ورفع زميلي اصبعه ليجيب بدوره، فقال له المفتش
أجب فقال التلميد: ان قميصه يا استاذ مشلّخ

قال صاحبي يوما: اتمنى لو اصبح موسيقارا لأعبّر عن الهدوء بموسيقى صاخبة. ولكن صاحبي مات ولم يعرف اذا كان يستطيع ذلك ام لا. رحم الله صاحبي.

عندما يحضر الأهل المطهّر القانوني ليجري عملية الختان لولدهم. يلهون ولدهم بلعبة جميلة، او يقدمون له بعض النقود، او الحلوى للتمويه عليه والهائه، ولتقليل درجة القلق والخوف عنده. هكذا تعودنا. ولكن الطهور لا يتم بالنقود ولا بالحلوى ولا باللعبة الجميلة، ولكن بموسى حادة.

5. ان المرآة لا تضيء النهار ولكنها تعكس صورة وجهك. ولأول مرة رأى الانسان صورته في الماء ولّى هاربا إذ رأى الحقد والأنانية والوحشية تملأ نفسه. والدول الكبرى لهي خير برهان لمضمون تلك الصورة.
استرعى انتباهي صوت مطرب وهو يشدو بأغنية تقول:
إللي مضيّع ذهب بسوق الذهب يلقاه...
إللي مضيّع محب يمكن سنة وينساه...
لكن اللي مضيّع وطن وين الوطن يلقاه...؟
انهارت دموعي خشية ان اموت قبل ان ألقى وطني...

في معرض لرسوم الكاريكاتير اقيم في احدى العواصم العربية. كانت هناك لوحة ناطقة لفتت انتباه الجمهور المتواجد وأثارت دهشته وتساؤلاته. ذلك ان اللوحة كانت بيضاء ناصعة، خالية من الرسوم الا من خمس كلمات كانت مكتوبة في اسفلها. "هذه اللوحة مرسومة بالحبر السري"
اللوحة نالت الجائزة الاولى. رحمك الله يا ناجي العلي.

ونحن صغار كنا نلعب (الغميضة) او الغماية، وتبدأ بوضع منديل فوق عيني احد اللاعبين ويلف المنديل حول الرأس ويربط من الخلف. ثم يبدأ هذا المغمّض بمحاولة القبض على احد اللاعبين. غير ان هذه اللعبة لم يعد يلعبها الاطفال الصغار هذه الايام. بل اصبحت هواية يمارسها الحكام كلما تطلب الامر ذلك.
فمنذ اسابيع قليلة كانت الظروف مواتية للحكام لممارسة هذه اللعبة وذلك عندما بدأت اسرائيل حفرياتها قرب المسجد الاقصى للشروع بهدمه. غير ان الحكام الكرام طوّروا اللعبة لتتناسب مع مكانتهم ومع الاجواء السائدة بأن اضافوا لهذه اللعبة بأن يضع كل واحد منهم منديلا على عينيه ووضع كرتين صغيرتين من القطن في اذنيه، وشريط لاصق على الفم.
المتعارف عليه ان الصغار يقلّدون الكبار، ولكن أليس من العار ان يقلّد الكبار الصغار ويفسدون قوانين لعبتهم..؟ ام ان هذه عادتهم لا يسمعون استغاثة مظلوم..؟ ولا يقولون كلمة حق..؟ ولا يرون مآسي الآخرين؟. ربنا أبق عليهم.. وذرهم في طغيانهم يعمهون.. ربنا لا تؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا.

6. خضر مرابعنا، بيض صنائعنا، سود مواقعنا، حمر مواضينا.
تاريخ شعبنا حافل بالأمجاد والتضحيات الجسام. تاريخ سطر بالدم والتضحيات. دموع الأمهات. دماء القرابين من الشهداء. تاريخ غنّاه الشعراء، وأنشدته حناجر الأبطال، ودوّنه المؤرخون.
يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلاما
ليس بعد الموت إلاّ فخر مجد يتسامى
اي نشيد هذا...؟ وأي لحن هذا...؟ أنه نشيد الفداء والوفاء، نشيد الشهداء الخالدين الذين سطّروا ملاحم الكفاح والنضال من أجل فلسطين، ملاحم العزة والكرامة.

سيدة عجوز من بلادي، عندما حضرها الموت، طلبت شربة ماء، فلما أحضروا لها الماء لتشرب، أدنته من فمها ثم رفعته الى انفها، لكنّها اعادته لمن حولها قائلة اريد شربة ماء من ينابيع فلسطين.
فقالوا لها: أين نحن واين فلسطين الآن يا اماه؟ ان فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي. فقالت: إذًا فالموت أفضل. اغمضت عينيها وأسلمت الروح.

ارض المقدسات والأنبياء ارض فلسطين لا تعرف الطائفية ولا المذهبية. فمسيحيو بلدتنا الذين بقوا هناك يقومون بترميم قبور المسلمين سنويا. ومؤخرا وضعوا لوحة كتب عليها (قبور اهلينا جذور لنا) انه شعب لن يموت.

لم اكن اعرف ان حجارة بلدنا ليّنة وطرية مثل ريش النعام الى ان شاهدت والدي يتوسّد حجرا صلدا في حقلنا تحت شجرة الزيتون وقت استراحته. فعرفت يقينا صلة القربى والعاطفة التي تربط بين والدي وحجارة وتراب ارضه.

اعمال كثيرة قد يفسدها التكرار، إلا العبادة فإنها تزداد قيمة وتعظم اجرا بالتكرار. كالألماس كلما كان اكبر كان أثمن.

عبارة "راس روس" ومعادلات جدول الجمع والطرح يرددها تلاميذ مدرسة قريتنا بصوت عال، ورنين جرس المدرسة الفوقا معلنا انتهاء الدرس، لهو إيقاع لسمفونية جميلة يتردد صداها في الذاكرة. ومنظر التلاميذ يتراكضون خارج الصف في سباق للوصول الى اشجار السرو والعنبر لهي لوحة لم ترسمها ريشة فنان بل تكوين بشري لطفولة بريئة.

7. وقفت والدتي أمام بوابة دارنا تعلو وجهها الابتسامة بالرضى والفرحة. يحيط بها جميع افراد العائلة وعدد من النسوة الجيران أهل الحارة وهي تحمل بيديها وعاء مليئا بالحلوى (الملبّس والتوفي) والتين المجفف، بانتظار وصول موكب اخي. وما هي الا لحظات حتى ظهر شيخ قريتنا بعمامته وجلبابه. وخلفه اخي تحف به مجموعة من الاولاد، وحاملا بيديه (صحيفة النقشة) اول خمس آيات من سورة البقرة والتي اجتهد شيخنا الجليل بزخرفتها وتلوينها يرددها امام كل بيت يمر به، فيكرمونه ويكرمون الشيخ. كان اخي يبدو معتزا يعتريه بعض الحياء مورّد الخدين. وكأنه يحمل جائزة نوبل، وشيخنا يطالع الحضور متفاخرا وكأنه وقع لأخي شهادة الدكتوراة ومهرها بختمه. لسوء حظ وسائل الاعلام التلفزيون، الاذاعة، والصحافة، لم تحضر آنذاك لأن الكهرباء لم تكن معروفة في القرى.

حفنة تراب من ارض بلادي احضرتها لي سيدة زارت فلسطين. هي حفنة تراب. لكنها اغلى من الذهب. احتفظت بها لتكحّل بها عيني، وتخضبّ بها كفّي، حنة فرح بلقاء ربي عند مماتي...


من كتابه فوانيس الليل 2006








® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com