دروس ذكرى التقسيم والتضامن مع شعبنا الفلسطيني - د. فايز رشيد
29 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام هو ذكرى قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، حوّله العالم إلى يوم للتضامن مع قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة. هذا العام 2014 هو سنة التضامن مع فلسطين، كما قررته الأمم المتحدة. نشاطات كثيرة قامت بها شعوب عديدة في دول كثيرة، خاصة في أوروبا، للتضامن مع شعبنا. شهر نوفمبر مليء بالأحداث الفلسطينية: إشهار الدولة في 15 نوفمبر من عام 1988، الذي اعلنه حينذاك المجلس الوطني الفلسطيني، لم ير النور حتى هذه اللحظة.

بالنسبة لقرار التقسيم، رفضه شعبنا آنذاك. يلوم البعض منا ذلك الرفض، ولو كنّا في موقعهم لمارسنا الرفض نفسه. نعم فلن يوافق فلسطيني واحد (سوى الأقلية) على زرع الدولة المغتصبة في أرضنا، وفي قلب الوطن العربي، حتى لو وافقت القيادات الفلسطينية عام 1947 على قرار التقسيم، فلم يكن ممكناً إقامة الدولة الفلسطينية العربية آنذاك لأنه، لا العصابات الصهيونية ولا إسرائيل ولا حليفتها الأمريكية.. كانت ستسمح بإقامة هذه الدولة. ومن يعتقد عكس ذلك فليقرأ الأدبيات الإسرائيلية ومذكرات القادة الصهاينة، والوثائق في الأرشيف الإسرائيلي حول هذه القضية، التي تم الإفراج عنها بعد 40 – 50 سنة. نقول ذلك مستشهدين بمثل، قرار الأمم المتحدة الذي نص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولم يجر تنفيذه، لأن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة أرادتا يوم ذاك تنفيذه. موافقة القيادات الفلسطينية آنذاك، كان سيعني تنازلاً مجانياً واعترافاً رسمياً بحق إسرائيل في الوجود على الأرض الفلسطينية.

صحيح أن القيادة الفلسطينية الرسمية اعترفت بإسرائيل وحل الدولتين، لكن إسرائيل كانت وما زالت وستظل ضد إقامة هذه الدولة المستقلة ذات السيادة، لذا كان التنازل بالفعل مجانياً، وتم الاعتراف بإسرائيل بدون ثمن. القيادة الرسمية في منظمة التحرير أوهمت نفسها بإمكانية جنوح إسرائيل للسلام، وإمكانية إقامة دولة فلسطينية. هذه القيادة لم تحسن قراءة إسرائيل ولا الحركة الصهيونية، بنت استراتيجيتها الجديدة في الصراع مع العدو وفقاً لمعطيات غير موضوعية، المفاوضات والمراهنة اللاواقعية (كأن يكون المجتمع الدولي قادراً على فرض إقامة الدولة الفلسطينية، حتى لو جرى انتزاع قرار من الجمعية العامة بذلك).

لم تنطلق القيادة الفلسطينية في اعترافها بإسرائيل.. كثمن لإقامة الدولة العتيدة إنها تقع في المطب نفسه، وقّعت اتفاقيات أوسلو المشؤومة بدون ثمن. لا تنطلق في استراتيجيتها وسياستها حاليا من خلال موازين قوى تفرض على إسرائيل: الاعتراف بالدولة الفلسطينية. بعد 21 عاماً من المفاوضات مع إسرائيل ماذا حصدت هذه القيادة؟ لم تحصد سوى استمرار المشروع الصهيوني في فرض حقائقه وتنكره المطلق للحقوق الفلسطينية.

الغريب أن القيادة الفلسطينية الحالية لم تستوعب الدرس ولا معطيات الواقع، لذا فهي تمعن في أخطائها من خلال الوهم بإمكانية موافقة إسرائيل على إقامة دولة مستقلة على كامل حدود 67، دولة كاملة السيادة، لذا قام رئيس السلطة محمود عباس بالتخلي طوعاً ومجانا عن حق العودة، وعن الحق في المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها (وهي الأخيرة ) الطريقة الوحيدة لإجبار إسرائيل على الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. كافة التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية تمت بعكس إرادة شعبنا، الذي يرى ويريد حقه كاملاً وغير منقوص في كل أراضي فلسطين التاريخية. ندرك صعوبة تحقيق هذا الهدف من خلال الظروف وموازين القوى الحالية لكن، هل ستنسحب هذه الظروف على المستقبل بشكل دائم؟ ألا يمكن أن تتغير الظروف مستقبلاً وكذلك موازين القوى؟ من كان يعتقد بانهيار القطب الثاني في العالم وهو الاتحاد السوفييتي في غضون سنوات قليلة؟

القيادة الفلسطينية الحالية ممعنة أيضاً في أخطائها بالمراهنة على موقف الولايات المتحدة وباراك أوباما. لم تستوعب درس الفعل الأمريكي الضاغط في مجلس الأمن قبل بضعة أعوام لتعطيل قبول فلسطين دولةً كاملة العضوية في الأمم المتحدة. الرئيس عباس يعتزم من جديد طرح مشروع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967وإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة، على مجلس الأمن الدولي، ناسيا أو متناسيا، أن الإدارة الأمريكية ستستعمل حق النقض (الفيتو) في التصويت لإفشال القرار.

في يوم ذكرى التضامن الدولي مع شعبنا، لو توجهنا بأسئلتنا إلى قيادة السلطتين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة: هل هما متضامنتان مع نفسيهما؟ أليس من المفروض، وقبل أن ندعو العالم إلى التضامن مع قضيتنا أن نتضامن نحن مع أنفسنا وننهي الانقسام؟ أليس من المفروض وقبل أن ندعو أمتنا العربية إلى بناء استراتيجية جديدة للصراع مع العدو الصهيوني، أن تقوم السلطة ببناء هذه الاستراتيجية وليس المفاوضات؟ وأن تحرص قيادة سلطة غزة بألا تكون هناك هدنة دائمة مع إسرائيل؟ وتمارس السلطة الرسمية أيضا التكتيك السياسي الصحيح الذي يخدم الاستراتيجية الحقيقية الكفيلة بإجبار الكيان على الاعتراف بحقوق شعبنا؟ ثم نقوم في ما بعد بمطالبة الأمة العربية بأن تتحشد حولها؟ أسئلة كثيرة من هذا القبيل، في صميمها هي مؤلمة ومحزنة كثيراً.

نعم بالانقسام: المشروع الوطني الفلسطيني تراجع.. القضية الفلسطينية تراجعت خطوات كثيرة إلى الوراء.. وسلطتا غزة ورام الله مصرتان على العزف المنفرد لكل منهما، أليس من الضرورة بمكان إجراء مراجعة سياسية شاملة لمرحلة ما بعد أوسلو، والاستفادة من الأخطاء والخطايا الكثيرة التي تم اقترافها؟ أبعد هذا العدوان الصهيوني الاخير 2014على القطاع وأمام الحقائق التي تفرضها إسرائيل كل يوم؟ ألم يئن الأوان لعدم الوقوع في مطبات جديدة؟ أليس من الضرورة بمكان إلغاء التنسيق الأمني مع هذا العدو؟ المطلوب إحياء المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها. المطلوب التشبث بالثوابت الفلسطينية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية لتكون مجالاً للجمع بين كافة الفصائل وألوان الطيف السياسي الفلسطيني..

وكل ذكرى للتضامن، وقضيتنا الوطنية قد حققت مزيدا من الإنجازات والنجاحات على طريق التضامن مع شعبنا في كل أنحاء العالم.. ولنستفد من دروس الماضي وعبره.

* كاتب فلسطيني

3/12/2014





® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com