عام على رحيله: محمّد نفّاع بكلمة واحدة - إبراهيم طه


حتى خصومه العتاة من أهل السياسة والفكر لا يذكرونه إلا بالخير.. لعلّ هذه المحبّة عَرَض. هكذا ظننت، ورُحت أسائل نفسي الأمّارة بالوسوسة والمناكفة عن مردّ هذا الاحترام والتقدير. من أيّ عمق يتدافع ويتزاحم؟ من أيّ المطارح يصعد؟ لا بدّ من سرّ يزيل هذه العُجمة.

فاضت نفسه وعادت إلى باريها قبل عام واحد بالضبط. جلست لأكتب ما يليق بحدث جلل. كتبت كثيرًا وقلت كثيرًا، وسأظلّ أكتب وأظلّ أقول عن إنسان وكاتب وأديب وسياسيّ مفكّر أعطى ولم يأخذ.. لم يأخذ ولم يطلب. لم يأخذ كلّ ما يستحقّ من مخايل الحفاوة ومظاهرها لأنه لم يطلب.. جلست كي أكتب فيه كلمة حقّ وجبت. بقدر ما يسعفني الواجب أكتب، وبقدر ما يسعفني الحقّ أقول، ولا أقول إلا الحقّ والصدق. وفي حضرة الصدق لا يُقال إلا الصدق، لا شيء غيره، لا قبله ولا بعده، الصدق كله لا بعضه، لا نصفه ولا ربعه.. والصدق لا يتبعّض.

جلست لأكتب وقد ظننت أني استنفدت فيه الكلام كلّه! قلت أكتب كلامًا أوجز فيه كلّ ما كتبته أنا وما كتبه غيري بكلمة جامعة أحشد فيها الأسماء والصفات والأحوال كلّها. لم يحتج الأمر مني إلى جهد. كان الصدق فيه اسمًا وفعلًا، مصدرًا وصفة وحالًا. كان الصدق فيه على الجمود والاشتقاق. من عمق الصدق اشتقّ الرجل أخلاقيّاته وسلوكيّاته، من مصدر الصدق ومنبعه صدر قوله وفعله، واتّصفت سكناته ووقفاته وحركاته وأحواله حتى تسمّى بالصدق وصار له رديفًا كاسمه.

وأول مراتب الصدق ما يكون مع النفس. وحين تكون صادقًا مع نفسك ستعرف حتمًا كيف توزّع صدقًا بين الناس وتحظى باحترامهم، مثلما قال دوستويفسكي، الذي قرأه محمد نفاع بعمق، "الأهمّ من كلّ شيء هو ألّا تكذب على نفسك. من يكذب على نفسه وينصت إلى كذبته لن يتمكّن بعدها من تمييز الحقيقة في داخله. وهكذا سيفقد كلّ احترامه لذاته وللآخرين." كان أبو هشام صادقًا حتى العظم مع قناعاته وفكره. ما كان أبو هشام ليتحرّف أو يوارب أو يرتكس فيها. وما كان ليتنطّع أيضًا، فعرف كيف ينفتح على الرأي الآخر، أو ليتحيّف فعرف كيف يكون الإنصات والإنصاف في الجدل. كان بيننا تبادلٌ وتداول في قضايا سياسيّة وفكريّة. نعم، اختلفنا في بعضها وظللنا على اختلاف عميق. جادلت بحياء من بعيد. كنت أرهب أستاذيّته، وأنا من أنا وهو من هو! كان جدالنا بضمير ثالث متملّص يأتي على السكت، يتهادى على استحياء. كان أبو هشام إذا لم يعجبه أمر أو موقف أعوج، مثل قرون الثور، فضحه على الملأ في الاتحاد، بلهجته المنكّهة والمتبّلة بكلّ أنماط السخرية والفكاهة السوداء والكاريكاتير والساركازم والجروتيسكا، فضحه وجعله على كلّ لسان. لكنه لم يجادل في شؤون النقد الأدبيّ، لم يعترض على نقد ناقد، ولم يكن له منابذًا منافرًا، وإن كان بفطرته السليمة السويّة يميز الخبيث من الطيّب. أبغض أبو هشام هشاشة الكلمة والموقف مثلما مقت العمالة بكلّ أنماطها. حتى عمالة النقد، الذي يكون الناقد فيه عميلا مواليًا للكاتب، عابها وازدراها. عاف التزلّف والتملّق أينما كان وكيفما كان.

كان أول عهدي بمحمد نفاع عام 1980 قبل اثنين وأربعين عامًا. كنت وقتها في السنة الدراسيّة الثانية في الجامعة. وكانت مجموعته القصصيّة "كوشان" قد صدرت في العام نفسه عن الأسوار في عكا. (وبعدها بتسعة أعوام صدرت المجموعة في القاهرة عن دائرة الثقافة في منظّمة التحرير الفلسطينيّة). في المجموعة إحدى عشرة قصّة قرأتها كلّها وأعدت القراءة. أغرتني المجموعة وفتنتني بصدقها وعمق بساطتها ولغتها وشخوصها وأحداثها وجغرافيّتها ومبعثها وتوجّهها. من هذا التاريخ حسمت أمري على قراءة كلّ ما يكتبه الرجل قراءةَ جاهلٍ يسعى إلى المعرفة كي يحميها بعلم. وهذا ما حصل. قرأتُ وقرأ طلابي، وما زالوا يقرأون، فحصّنوا دراساتهم بعلمٍ يحمي نفسه بنفسه. التقيت محمد نفاع وهو طالع من "كوشان". لقاء افتراضيًا مجازيًا التقيته أول مرّة. ولقاء المجاز لا يختلف عن لقاء الحقيقة عنده. عرفته في اللغة، ومن هناك امتدّت علاقتنا إلى الحقيقة. وهو هو في اللغة والحقيقة. لا يغيّر جلده، لا يتبدّل ولا يتلوّن. نفاع المخلوق اللغويّ الأدبيّ هو نفسه أبو هشام الآدميّ. أعني ب"الآدميّة" المعنيين الحقيقيّ والمجازيّ، المعنى البشريّ و"الأدمنة". ما في قلب محمد نفاع يصعد مباشرة إلى رأس لسانه. وهذه حالة عزّت في زمن النفاق والمواربة والروغان. كان الرجل متصالحًا مع معتقداته وتصوّراته صادقًا في تصالحه. وصدقه فعل ارتجاجيّ معدٍ يصل صداه إلى أقصى مداه. يصدق في اللغة ويصدق في الكلام، يصدق في نزف قلبه ويصدق في نبض عقله ولو على نفسه.

كتبت فيما مضى فقرة عن الصدق والمصداقيّة في أدب محمد نفاع. وقلت إنّ الحديث عن الأدب الصادق يعني بالضرورة أنّ هناك أدبًا غير صادق، وقد يكون كذبًا في الحقائق، أعني أنّ الكاتب قد يزوّر الواقع الذي يكتب فيه ومنه وعنه، وقد يكون كذبًا ناتجًا عن الفرق بين الكاتب والمكتوب، أعني الفرق بين الشعار والممارسة في الواقع.. دار بيني وبين محمد نفاع حديث حول هذا الكلام، وذكّرني بمقولة لجورج برنارد شو "حين يريد رجل قتل نمر فهذه هواية، وحين يريد النمر قتله فهذه وحشيّة!" وصفته السحريّة للصدق في الأدب هي الكتابة من تحت إلى فوق. وليس من فوق إلى تحت.

أعطى محمد نفاع للأدب فبنى له مدرسة. أعطى للسياسة فحماها من السفه والتدنيس. أعطى للمواقف فحصّنها من التدليس. أعطى لجغرافيا الوطن فحرث ترابه بالسكّة والقلم، بالسكّة فالقلم. لم يأخذ من الأدب أوسمة أو نياشين.. لم يأخذ ولم يطلب. محمد نفاع أديب أريب قارئ مثقّف. البساطة عنده طبع متأصّل. لكنه عرف كيف يحميها بفكر عميق يستره في حنايا اللفظ ويضمره في ثنايا اللغة. كدت أقول العمق في البساطة مُسمّى عليه. لا يُعرف إلا به.

خلقه ربّه في كبد. كابد وصارع وجاهد. تكفّف، عاش على الكفاف، لم تغرّه غواية الحياة العصريّة وقشورها. لم يتغاوَ بها. لم يكن متبطّلا، لم يأكل ولم يطعم أهل بيته من حتات غيره. كان يتقافز ببدلة الكاكي مثل الحجل بين الربعان والوديان والسهول والبساتين والكروم يقفز ويتقافز، يحرث ويزرع ويتبقّل ويحصد ويقطف ويطعم. كان عفيفًا حتى في مسائل النقد الأدبيّ. لم يسعَ إلى الندوات والتكريمات والأضواء سعيَ أمّ إسماعيل بين الصفا والمروة. عقدت النوادي الثقافيّة والمؤسّسات لقاءات وندوات حول أدبه. شاركت في كثير منها. حدث مرّة أن عرّج عليّ، برفقة رجل طيّب من بلده، ليشرب فنجانين من القهوة وهو في الطريق إلى حيفا قبل الندوة بساعتين. لم يكن في البيت غيري في ذاك اليوم. عملت غلاية قهوة بالأدوات المتاحة أمامي. أردتها قهوة عربيّة ثقيلة أصيلة لسببين: حتى تعدل رأسه قبل الندوة وحتى لا يتّهمني بالبخل. لكنها لم تكن ثقيلة، كانت قهوّة موحلة كما لو كانت طينًا. شربنا القهوة الطينيّة وأنا أرقب ردّ فعله من تحت إلى تحت. لم يقل شيئًا أول الأمر حتى لا يُتّهم بأنه شحّاد ومشرّط. ولم يكن في حاجة لأن يقول. كانت تضاريس وجهه تحكي بالإشارة. حين أكمل فنجانه الأول هممت لأملأه من جديد فاعترض يدي وقال هذا فنجان أسبوعيّ. يقصد أنّ مفعوله يمتدّ إلى أسبوع. تحدّثنا كثيرًا لم أسأله عن مشواره، وهو لم يكن يعلم أني مشارك بمداخلة في الندوة. وحين همّ بالمغادرة ومواصلة الطريق إلى حيفا فاجأته بأمر المشاركة.. أصابته البغتة... ولمّا سكتت عنه المفاجأة حاول أن يطيّب خاطري "على الأقلّ مداخلاتك مش مثل قهوتك موحّلة مطيّنة". ضحكنا، أنا من فشلي اللوجستيّ في غلاية القهوة وهو من ضحكتي.

محمد نفاع أعطى ولم يأخذ أجر صدقه غيرَ محبّة الناس واحترامهم وتقديرهم... وهل هذا قليل؟!

عن الاتحاد
15/7/2022






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com