نصر غزة وخوازيق الاقرباء - د. حسين علي شعبان - النمر

حطت حرب الخمسين يومًا احمال رحالها مساء الثلاثاء 26 آب. الفلسطينيون في اصقاع الأرض الخمسة اعلنوا انتصارهم؛ ففاضت شوارع غزة، الضفة، الجليل، المثلث، النقب، مخيمات اللجوء، جاليات الشتات بالفرحين وبالمحتفلين بالنصر. الفلسطينيون على حق؛ انتصارهم بمعايير الصراع الفلسطيني – الصهيوني هو اعجوبة. هو نصر ساطع بمعايير الحروب الاسرائيلية – العربية. هو نصر حزين بمعايير الحروب التقليدية ونصر مستحيل بالمعايير العسكرية. ستالين العظيم امر خلال الحرب العالمية الثانية بنقل الاطفال من مدن المعارك الى أماكن آمنة. حكومة نتنياهو اعدت للمستوطنين ملاجئ مزودة بوسائل الترفيه الحديثة. اطفال غزة وحدهم دون اطفال وشعوب العالم قاطبة وقعوا ضحية جيش هُزم في الميدان فاستسهل قتلهم.

الملوك والامراء العرب لزموا الصمت والرؤساء ايضا، كثيرهم رهن ضميره ووضع ماله في تصرف نتنياهو مطالبا بالهزيمة الساحقة الماحقة لأهل غزة. لسان حال هؤلاء الحكام الصامتين يصيح بتنياهو لا تكترثوا لحياة اطفال غزة، المهم ان تجتثوا حركة حماس. الرئيس باراك اوباما استشاط غضبا لاصابة مستوطن اسرائيلي بهلع سببه صاروخ انطلق من غزة. ديفيد كامرون وفرانسوا هولاند صموا آذانهم وفنجروا بوقاحتهم التقليدية أعينهم. الأمين العام للامم المتحدة لم تحرك ضميره دموع موظفه الدولي في غزة، فاستعار من الحرباء تلونها بحسب موطئ قدميه. مصادر صحفية ذكرت أن القوة التدميرية لمجموع القنابل والصواريخ التي أطلقتها إسرائيل على غزة، تُطابق قوة ما أطلق هيروشيما ونغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى أن جزءا من هذه القنابل محرم دوليا.

بحسب احصاءات صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الحصيلة الأولية لحرب نتياهو وحلفاؤه العرب والدوليين على غزة هي: 2137 شهيدا بينهم 457 طفل، 11100 جريح، 90 عائلة (العائلة مؤلفة من عدة اسر) تم محو افرادها واسمائهم من السجلات المدنية والانسانية، 475,00 مهجّر بينهم 338 الف اوتهم مدارس وكالة الامم المتحدة و10000 مشرد لم يجدوا مأوى. أكثر من 4000 بيت، بناء وبرج، ضاحية واحياء باكملها ازيلت عن الخريطة الجغرافية وركام مئات البيوت يحتضن اجساد اطفال ومدنيين يشهدون على بربرية مجرمي الألفية الثالثة.

*المنتصرون والمتعربشون على النصر!*

مقتل واصابة اعداد كبيرة من كبار قادة وجنود وحدات نخبة "الجيش الذي لا يقهر" عند حدود غزة فلّت عزيمة وحدات الجيش التقليدي، مذعورة فرت من غزة قيادة اركان جيش العدوان منتظرة بفارغ الصبر اوامر القيادة السياسية. صب نتنياهو واسراب المذعورين في حكومته جام غضبهم على اطفال يلهون عند شاطئ بحر غزة، المدنيين في الشجاعية، بيت حانون وجميع احياء الفقراء في غزة. نادى اهل الشهداء وردد معهم وخلفهم اصحاب البيوت المدمرة من فوق انقاض غزة على رجال المقاومة يسألونهم دحر المعتدين. من الرامة في جليل فلسطين أذن للنصر شيخ التحدي سميح ابو وطن. من جبل لبنان صدحت جوليا مغنية للنصر.

في حرب الخمسين انتصر هاشم، جيفارا، ياسر عرفات، احمد ياسين، احمد الجعبري، محمد ابوشمالة، رائد العطار.. وقوافل شهداء تزنر بدمائها وأجسادها واسمائها حدود فلسطين. اهل غزة وضعوا حدا لـ "الغلب"، كابوس النكبة الفلسطيني الذي طال امده. بدمائهم الغضة عانق شهداء اطفال شاطئ بحر غزة شهداء يوم الارض في سخنين، عرابة، دير حنا.. بنت جبيل مارون الراس، قانا والضاحية الجنوبية لبيروت.

صحيح ان احدا، فردا، حزبا، تنظيما اوجماعة لم يحتكرالنصر لنفسه، فكانت وقفة ابو العبد اسماعيل هنية في خطاب النصر وقفة فلسطينية، لكن المتعربشين حوله كان من الاشرف لهم ان يكونوا بين صفوف صناع النصر الحقيقيين؛ المواطنين. كان من الاولى والاجدى بالناطق باسم المقاومين أبا العبد ان يصطحب شبلا، زهرة، شابا ، شابة، شيخا، اما، ابا، جدا ليصطفوا على جانبيه ليعلن دفن الانقسام والتعصب واعلان الوحدة القائمة على صيانة حقوق وكرامة المواطن.

فجأة اطل من قطر السيد خالد مشعل ليلعلن خطاب النصر. صال ابو الوليد وجال في الشعر والكلمات ومنمق العبارات. شكر من لا يستحقون الشكر، واثنى على من لا يستحقون الثناء. تجاهل مشعل عن سبق اصرار وترصد اهل وسند المقاومة الحقيقين في لبنان وايران واليمن والجزائر... اغدق ابو الوليد الثناء على مضيفيه القطريين وفضائيتهم فارتدى اللؤلؤ ثوب التملق.

*إشكاليات ترميم للأصنام القديمة*

استرد الرئيس ابو مازن بعض هيبة سفكها باراك اوباما. من مكتبه في رام الله اطل الرئيس من على فضائية فلسطين. لم يلق فخامته خطاب النصر، لم يخاطب اهل غزة وفلسطين. اسقط الرئيس محمود عباس امهات وآباء الشهداء وضحايا عدوان نتنياهو من خطابه. عاد لسان حال الرئيس ابومازن ترميم صنمه القديم؛ "عبثية صواريخ المقاومة"، "وحدانية سلاح السلطة"، "قرار الحرب والسلم بيد القيادة". تحدث ابو مازن عن موافقة حكومة نتنياهوعلى حل الدولتين. جاء رد نتنياهو اسرع من الصوت نافيا تصريحات فخامته.. استبعد ابو مازن الحرب وهو المتعبد والمبشر بنظرية ذهاب الفلسطينيين الى المفاوضات عراة بلا ورقة توت ولا تين ولا حتى ورقة زيتون. نسي فخامة الرئيس ان "التنسيق الامني" يجرد حرس الرئيس، الاجهزة الآمنية، المخابرات، الشرطة وموظفي البلدية في الضفة من سلطتهم الا على مواطنين يعانون بطش جيش الاحتلال. يبدو ان احدا لم يجرؤ على ابلاغ الرئيس ان ذلك يعني ان جميع رجال السلطة وموظفيها الأمنيين في الضفة، يلقون سلاحهم، ينزعون لباسهم الوظيفي نياشينهم وينسحبون ممهدين الطريق وفاسحين المجال لجيش الاحتلال ومستعربيه للتنكيل برعيته. ربما لا يعلم الرئيس ابومازن ان المستوطنين مدججين الى اسنانهم بالسلاح وجيش نتنياهو لا يتدخل الا لحمايتهم وتثبيت مستعمراتهم فوق الارض الفلسطينية المحتلة.

افرط لا بل تمادى خطباء النصر والاستسلام من قصور ليست لهم يكيلون المديح لمن لا يستحقونه، اسقطوا اكراما لأصحاب القصور توجيه الشكر للمقاومة والسيد حسن في لبنان، مواطني وحكومة ايران، رؤساء، حكومات وشعوب: الارجنتين، البرازيل، تشيلي، فنزويلا، بوليفيا، نيكارغوا ، كوبا ، الاكوادور... الذين سجلوا ادانتهم للعدوان ووقوفهم في صف اهل غزة وفلسطين. نسي خطباء نصر غزة ان يشكروا اهل اليمن، الجزائر، تونس... لندن وكوبنهاغن وستوكهولم. لم يلحظ خطباء نصر غزة تضحيات وتفاني الاعلاميين في "الميادين" ، "المنار"، "الجديد"، "روسيا اليوم"..

قال فلاح فلسطيني "يلد الانسان ومعه يلد خازوقه، خازوق يدقه في جسده احد الاقرباء المقربين اليه". نصر غزة المظفر تحاصره خوازيق وخناجر من لم يكن لهم في صمود وانتصار غزة لا ناقة ولا بعير. ليتيقظ اهل غزة وفلسطين لخوازيق وخناجر "الأحبة" المقربين. بالمناسبة خازوق غزة يأتيها من الخارج؛ كسره وكسرهم في متناول ايديهم.


5/9/2014





® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com