"قيصر" سلاح ترامب لتجويع السوريين | صلاح دباجة - صلاح دباجة


دخل قانون العقوبات الأميركي المعروف باسم "قيصر"، أمس الأول الاربعاء، حيز التنفيذ ليشكل آخر مخططات واشنطن التآمرية على النظام الوطني في سوريا. ويوسّع قانون العقوبات هذا دائرة الاستهداف لتطال مسؤولين سوريين، وكل شخص أجنبي يتعامل مع الحكومة السورية وحتى الدول التي تتعامل معها مثل روسيا وإيران ولبنان.

ويشمل قانون العقوبات المجحف مجالات عدة مثل البناء والنفط والغاز والصناعة والزراعة والبنى التحتية وغيرها.

وينص القانون على اتخاذ إجراءات خاصة بحق المصرف المركزي السوري إذا ثبت أنه "مؤسسة مالية أساسية في عمليات تبييض الأموال". وتشترط واشنطن لرفع هذه العقوبات، وفق هذا القانون، إجراءات عدة بضمنها محاسبة مرتكبي "جرائم الحرب" ووقف قصف المدنيين والإفراج عن المعتقلين السياسيين وعودة اللاجئين. وبهذا القانون تحاول واشنطن العودة بالأزمة السورية إلى مربعها الأول دون أي اعتبار لما الحقته قرابة عشر سنوات من الحرب ضد الإرهاب من خسائر مادية فادحة في الاقتصاد والعقارات والبنى التحية إضافة الى سقوط ملايين الضحايا السوريين وهجرة ملايين آخرين!!

وأطلق على القانون هذا الاسم نسبة الى الجندي السوري المنشق "قيصر" الذي زود واشنطن بمعلومات وصور، قد تكون مفبركة حول مزاعم التعذيب في سوريا.

والعقوبات الجديدة التي يتضمنها القانون هي الأكثر قساوة على سوريا وستفاقم ازمة الاقتصاد المنهك أساسًا، وسيكون المواطنون أولى ضحاياها. ويبدو أن ترامب يريد محاربة الشعب السوري تحت ستار " الدفاع عن حقوق الانسان " بأصعب أنواع الأسلحة، "التجويع"، على الرغم من ان 9.3 مليون مواطن سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي !!

ومثل هذا النهج، حسب كل الخبراء والمحللين والمؤسسات الحقوقية يُعْتَبَرُ مرفوضًا ويعتبر جريمة حرب. فتغيير النظام من خلال إجراءات اقتصادية قسرية يمكن أن يؤدي إلى تقليص حقوق الإنسان الأساسية والى المجاعة.

من يتباكى على حقوق الانسان حقيقةً ويهمه مصير الشعب السوري لا يأمر بإحراق أكثر من 2500 دونم من حقول القمح والشعير "بالبالونات الحرارية" من طائرات الأباتشي في ريف محافظة الحسكة السورية. وهذه الجريمة، التي تجاهلها العالم وكشف موقع " انترناشونال بزنس تايمز " قبل ايام ،عن انها جاءت بأوامر مباشرة من ترامب وبالتزامن مع توقف حركة التجارة العالمية بما في ذلك السلع الأساسية بسبب انتشار فيروس الكورونا.

من يسهر على حقوق الإنسان لا يتعمد تجويع شعب يعيش أكثر من 80% منه تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة ، ويواجه ارتفاعا مستمرا لأسعار المواد الغذائية التي ارتفعت بمعدل 133% منذ أيار 2019، بحسب برنامج الأغذية العالمي.

ترامب يخوض حربين اقتصاديتين غايتهما "تجويع الناس" بهدف دفعهم إلى اليأس والاستسلام.

فالحرب الأولى هي الدولار الذي بدأ بالصعود الجنوني منذ إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي في شهر كانون الأول الماضي (2019)، "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات على سوريا. فاستمرار التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية إضافية على الدولة السورية، وكذلك رفض واشنطن دعوة الأمم المتحدة رفع عقوباتها السابقة من أجل السماح للدولة السورية بمواجهة كورونا، ما أدى الى وصول الدولار الى حدود 1800 ليرة سورية، أي أن أعلى راتب وظيفي في سوريا أصبح يساوي 40 دولارا أمريكيا. ورافق ذلك ارتفاع جنوني للأسعار فأصبح مثل هذا الراتب لا يكفي لشراء 3 كيلو غرام من اللحم.

أما الحرب الثانية فتتركز على الاحتياطات الزراعية ، فمحافظة الحسكة ، والتي يسيطر على جزء كبير منها تنظيم "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية) والجيش الأمريكي من طرف، ومن طرف آخر الفصائل "التركمانية" الخاضعة للجيش التركي، تعتبر عاصمة القمح السورية وتعاني بشكل شبه يومي من انتشار الحرائق المفتعلة التي تلتهم قسما كبيرا من المواسم الزراعية في سوريا لتعزيز الأمن الغذائي.

وتوقعت مصادر رسمية سورية في موسم 2019 - 2020، إنتاج نحو 3.7 مليون طن من القمح، وهي كمية تزيد عن الاستهلاك السنوي، إلا أن الحرائق والفوضى الأمنية كانا سببا بتخفيض الوارد لنحو 500 ألف طن في محافظة الحسكة، والتي تعتبر خزانا غذائيا لبلد يعاني حصارا اقتصاديا خانقا تفرضه عليه الولايات المتحدة الأمريكية ودول اوروبا.

وهذا ما حمل مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري على التأكيد أن سياسات الحصار وفرض الإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب كانت ولا تزال جزءا من السياسات الغربية التقليدية العمياء والوجه الآخر للإرهاب الذي سفك دماء السوريين ودمر منجزاتهم مطالبًا برفعها. وكذلك فعلت كل من روسيا والصين.

فاستهداف الشعب السوري في عملته الوطنية ولقمته ودوائه ومعيشته ونهب واشنطن العلني للنفط السوري (200 ألف برميل يوميًا) وسرقة 400 ألف طن من القطن وسرقة 5 ملايين من رؤوس الماشية واحتلال اجزاء من الارض السورية وحماية شريكها التركي الذي يحتل اراض سورية اخرى، كل ذلك يتنافى مع ما يسوقه ترامب من مبررات " انسانية " ويضع العراقيل أمام قدرة مؤسسات الدولة على تلبية احتياجات المجتمع الأساسية ومواصلة توفير الخدمات العامة. وعلى الرغم من ذلك لا تخجل المندوبة الامريكية عن الاعراب عن قلق إدارتها من تدهور الوضع المعيشي للمواطن السوري وتعزو هذا التدهور إلى ما تسميه " النظام "!! يقتلون القتيل ويمشون في جنازته !!

إشاعة الفقر والجوع في سوريا أمسى اليوم هدفا استراتيجيا للرأسمالية المتوحشة كونه يُشكل أسهل الطرق وارخصها نحو خلق جيل جديد يمارس ثقافة الفساد والإفساد والاستسلام، واحتراف الجريمة المنظمة، وإدمان اللصوصية بمختلف سبلها وأشكالها، ما قد يؤدي إلى انهيار المجتمع. فليس غريبا على من ألقى القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي، والمواد الكيماوية والنابالم على الفيتنام، أن يقوم متسترًا بشعارات "انسانية" بمثل هذا التصرف مع كل الدمار والبؤس الذي حل بسوريا.

يبدو ان الرئيس الامريكي ترامب يحاول ان يحقق، عشية الانتخابات الرئاسية، بعض المكاسب في خضم الهزائم المتتالية التي تتخبط فيها إدارته وفي مقدمتها احتلال بلده المركز الاول عالميا في الإصابات والوفيات بالكورونا والشلل شبه الكامل للاقتصاد الامريكي ما ينجم عن ذلك من اتساع للبطالة والفقر بسبب عدم مبالاته منقطعة النظير واستخفافه بحياة البشر. إضافة الى ما كشف عنه انتشار هذا الوباء من هشاشة النظام الصحي الامريكي في اغنى دولة في العالم. والمعضلة الاصعب التي تواجه النظام الامريكي اليوم هي استعار الاحتجاجات ضد العنصرية بعد مقتل مواطنين اثنين من أصول افريقية من جانب شرطة النظام على مدار اسابيع متواصلة لم تشهد البلاد مثلا لها منذ مقتل القائد من اصل افريقي مارتن لوتر كنج في العام 1968. فمن يستهين بحياة البشر ومن يعمل على ترسيخ النزعات العنصرية في مجتمعه لا يحق له ان ينصب نفسه مدافعًا عن حقوق الانسان والحريات في العالم.

وبالإضافة لهذه الازمات تحتدم التناقضات بين زعيمة "العالم الحر" وبين دول اوروبا فيما يتعلق بالعديد من القضايا الدولية ومن أبرزها الموقف الامريكي المنحاز بشكل مطلق الى جانب اسرائيل فيما يتعلق بالمخطط العدواني لضم الضفة الغربية للسيادة الاسرائيلية في حين ان اوروبا تعارض هذا المخطط وتتمسك بمبدأ حل الدولتين. وكذلك الموقف من الاتفاق النووي مع إيران الذي انسحب منه ترامب بشكل غير مبرر في حين ان أوروبا تواصل الالتزام به. وأيضا الموقف من المحكمة الجنائية الدولية وفرض عقوبات على قضاتها الامر الذي ترفضه الدول الاوروبية. هذا عدا عن الحرب التجارية التي اعلنها ترامب سابقًا على الصين ودول الاتحاد الاوروبي وكندا والمكسيك. وان ما زاد الشرخ بين اوروبا والولايات المتحدة هو الموقف المتفرج الذي اتخذته الاخيرة عندما كان يتساقط يوميا آلاف الاوروبيين بالكورونا وكل ذلك يعمق أزمة السياسة الامريكية ويفقده المصداقية ويكشف عن حقيقتها العدوانية.

وان دور القوى الدمقراطية في العالم ودور الشعب السوري والنظام الوطني هناك وكذلك الدول المتحالفة معها في الحرب على الإرهاب هو منع ترامب من تحقيق أي مكسب والعمل على إفشال ما تخطط له الإدارة الامريكية وفي مقدمة ذلك قانون قيصر، من خلال توفير الحد الأدنى من مقومات الأمن الغذائي للمواطنين السوريين والتشدد في تحديد الأسعار بما يتناسب مع الدخل المحدود والعمل على زيادة أجور العاملين ومحاربة الفساد والفاسدين وتشجيع المستثمرين السوريين في الداخل والخارج وكذلك العرب والأجانب على الاستثمار في سوريا، ومنحهم التسهيلات اللازمة في مجالات الصناعات الغذائية والدوائية ، والمشاريع الزراعية سريعة الإنتاج ، وكذلك استغلال الأراضي للزراعة والطاقات الانتاجية الى أقصى الحدود.

فصمود سوريا البطولي على مدار قرابة عشر سنوات من الحرب وتحرير معظم التراب السوري من الإرهاب هو ليس مجرد عبرة تاريخية بارزة نفاخر بها بل هي مأثرة لشعب صمم على الصمود والتصدي للمؤامرة الكونية غير آبه بحجم التضحيات وهذا ما يزرع الامل فينا بأنه لا عودة الى الوراء.


عن الاتحاد 19/6/2020




® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com