أيها الانسان لا تفتخر | الياس جبور جبور - الياس جبور جبور


يحضرني في هذه الأيام العصيبة قول شاعر الحكمة الشيخ ناصيف اليازجي اذ قال: "رأيتك تطلب الأبحار جهلا وأنت تكاد تغرق في السواقي"..

جرثومة أصغر من صغيرة لا ترى بالعين المجردة وتعجز عن رؤيتها المجاهر المكبرة ملايين المرات تهزمك وتدمر حضارتك الجبارة وعالمك الشامخ (والراسخ!) الذي بنيته عبر ملايين السنين في لحظة عين وأمام ناظريك وتكاد تقضي على البشرية بأسرها.. هذه الجرثومة أثارت الذعر والهلع في كل أرجاء الأرض وسجنت نصف البشرية في منازلهم وربما سوف تسجن النصف الباقي بعد قريب وقتلت وسوف تقتل الملايين من بني البشر دون مدافع ودون قنابل ومتفجرات وغيّرت الكثير من معالم هذا العالم وأنت تقف أمامها ضعيفا عاجزا لا حول لك ولا طول وليس بيدك حيلة..

لا يزال صوت عنجهيتك واستكبارك يدوي في أرجاء الفضاء ومن على منصات الأرض وعبر وسائل الاعلام التي خلقتها لتمجد اسمك وتعظم صولتك وتحكم قبضتك على هذا العالم وأنت تسير مزهوا مختالا كالطاووس ترفع عقيرتك لتتبجح.. وإذا بهذه الجرثومة تشل عالمك هذا مع كل امتداده ومناعته وقوته وصلابته وعصيانه على الفاتحين والغزاة منذ فجر التاريخ.. أين الاٍسكندر ذو القرنين وهو يتبجح بعد أن افتتح الأرض قائلا "أنظر كيف أفتتح السما".. أعود لأردد مع ناصيف اليازجي:

"يا جامع (الأكوان) هلا جمعت لها زمانا لافتراق"؟..

هل يا ترى جاء الزمان وحان الوقت لتودّع هذه "الأكوان".. هذه العوالم.. أم أنك لا تزال غارقا في أضغاث أحلامك وأوهامك لاهيا عابثا وأنتتجري الأبحاث والتجارب الرهيبة لتخترع القنابل الذرية والهيدروجينية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل لتقتل أكبر عدد منبني جنسك الانسان ولم تفطن يوما لاكتشاف لقاح يشفيك ويحميك من شر ما حدث.. لم تقدر أن تتغلب على بعض الأمراض المستعصية كالإيدز والسرطان وغيرها التي تبدو ساذجة بالنسبة لما يجري في هذه الأيام.. ومع ذلك استطاعت دولك العظمى (الصغرى) أن تشن الحروب وتحتل أراضي الغير وتثير الصراعات والفتن بين البشر..

أين أساطيلك وطائراتك وغواصاتك الجاثمة على الأرض ولربما ستبقى جاثمة الى الأبد أيها الانسان الضعيف كما جثمت أهرام الفراعنة من قبلها..

نحن في حالة حرب رهيبة ولكن في هذه المرة مع عدو خفي مخيف سريع الفتك والانتشار.. وليس كأخيك الانسان عدوك السابق منذ فجر الخليقة..

ومع اقتراب موعد الأعياد المباركة لدى كل الطوائف أردد مع السيد المسيح وهو يتحدى الموت: "أين شوكتك يا موت وأين قوتك يا جحيم".. أين قوتك وأين جبروتك أيها الانسان؟! هل تعتبر؟

هل يا ترى ستنتهي هذه الكارثة (العظمى) ومتى؟.. وان انتهت هل سيعود العالم كما كان؟.. العلم عند الله..

وفي هذه الحالة لا يسعنني إلاّ أن أضرع إليه تعالى أن تكون الغلبة للإنسان..

(شفاعمرو)
عن الاتحاد
21/4/2020




® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com