العَقلية العَربية - السيَاسة والديمقراطية - د. فؤاد خطيب


عمليًا بدأنا تعاطي السياسة بعد اغتيال الخليفة عثمان رضي الله عنه. ثالث خليفة للمسلمين الذين توحدوا تحت راية الدين الجديد المُنتصر الذي كان في انطلاقة عُظمى قَلّما عَرفتها الشعوب.

في أواخر عهد عثمان بدأت تظهر الاحزاب والفرق السياسة التي تصدرت الخلافة والزعامة في التاريخ العربي. بدأت الخلافات والنزعات الدنيوية على حكم المسلمين بين علي رضي ألله عنه وبين عثمان ابن أمية وباقي الاحداث التاريخية التي أدت الى انقسامات بين المسلمين ما زالت مستمرة الى الآن ولا مجال لتفصيلها هنا في هذه المقام.

وضعنا ثقتنا كلها مند البداية بين يدي رجل واحد ربما كنا مُحقين اذ وضعناها بين يدي الرسول وخلفائه الراشدين لما تحلوا به من خلق عظيم وصفات كريمة أفنوا ذواتهم من أجل توحيد أمة العرب ورفع شأنها.

كنا حينذاك بأمس الحاجة الى عقول فردية كريزماتية قوية وخارقة وشخصيات جبارة لهذه النقلة العظيمة من كيانات هشة صغيرة وقبائل بدوية متناحرة على الملأ والماء الى امبراطورية قوية فرضت سيطرتها على معظم العالم القديم من بحر الظلمات في الغرب الى مجاهيل الهند والصين في الشرق .

الحال لم تدم ووصل الى رأس الهرم السياسي خلفاء وحكام اختلفوا خُلقا وعملا عن الخلافاء الراشدين بهرتهم السلطة وسَحرهم الغنى الفاحش الذي جلبته الفتوحات التي حققناها بقوة السيف وزخم الحدث الذي رافق خلق أمة قوية جديدة. بنوا القصور الغناء واقتنوا الجواري والغلمان من كل حدب وصوب وغاصوا في ملذات الأرض ونعيم الدنيا ونسوا الرعية والقضية والأمة. السلطان او الخليفة كان فعلا هو ممثل الله على الأرض ويضرب بسيفه وهو الرأس المدبر والعقل المجرب وما على الرعية الا السمع والطاعة وتنفيذ أوامره المستمدة من أوامر الله والدين الجديد. بدأ يتجلى الحكم الاتوقراطي الديكتاتوري كما نفهمه وكما نعيشه وتعيشه خير أمة من المحيط الهادر الى الخليج الثائر في الدولتين الاموية والعباسية. من حينها نما في وعينا الجماعي وترعرعت في عقليتنا التي تحجرت مع الزمن فكرة الحكم المطلق ومن حينها قبلنا فكرة حكم رأس واحدة وعقل واحد غير عادي يتحكم برقاب الملايين، الويل ثم الويل لمن يعارض مشيئته فمصيره الموت المحتم كما حدث مع الحلاج وأبي العلاء المعري الذي عزلوه في محبسيه حتى مات وحرقوا كتبه وتعاليمه المعارضة للحكم المفرد والتي آمنت بمادية تطور العالم قبل الزمان بزمان. ألم يكن من بيننا الحجاج بن يوسف الثقفي حاكم العراق الذي خطب في المسلمين هناك وقال".. يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق اني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وأني لصاحبها" الى آخر من هذه الدرر البلاغية المُرعبة التي كانت حقيقة مؤلمة ما زالت تلاحقنا الى يومنا هذا، أي أن شعوبنا مازالت تعيش تحت تلك المسبة واللعنة الى يومنا هذا. شعوبنا لا تعرف الديمقراطية والحرية ولا تعرف الديمقراطية الحقيقية وما زال حكامنا أنصاف آلهة اذ كيف نفسر استمرار رئيس الجزائر المريض يحكم وهو مريض عمر 85 .. الا يوجد بديل له في شعب عربي جبار حرر ذاته من الاستعمار الفرنسي بأنهار من الدم وبشجاعة سجلها لها التاريخ بحروف من ذهب.عَبرتنا كل الثورات الصناعية والبرجوازية والاشتراكية.. وشعوبنا ما زالت تؤمن بالقضاء والقدر الذي يأخذ شعوبنا الى الهاوية ما لم نثر حقا ونخلق بشعوبنا بقوة الفكرة والحاجة الماسة ظروفا لتبلور عربي قومي ديموقراطي قابل للحياة.

عن موقع الجبهة
3/1/2019







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com