ذكرى رحيل كاسترو - نعيم الأشهب

أحيى الشعب الكوبي الصديق، هذه الأيام، بمهابة واجلال، الذكرى السنوية الأولى لرحيل قائده الفذ، فيديل كاسترو. وتثير هذه المناسبة الجليلة ذكريات وانطباعات لا تنسى. ففي أواخر العام 1974، وكنت حينها في براغ،عاصمة الجمهورية التشيكوسلوفاكية الاشتراكية منفيا من سلطات الاحتلال الاسرائيلي، تلقيت من عمان توجيها من الرفيق فؤاد نصار، الأمين الأول للحزب الشيوعي الأردني الذي كنا نعمل في اطاره آنذاك، بأن أترأس وفدا من الرفيق عربي عواد ومني لحضور المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبي، الذي انعقد بداية العام 1975. كان هذا المؤتمر تتويجا لحوارات امتدت عدة سنوات بين الحركة الثورية التي قادها فيدل وحققت الانتصار على دكتاتورية باتيستا المدعومة من واشنطن، وبين الحزب الشيوعي الكوبي بقيادة بلاس روكا، تكللت بالاتفاق على التوحّد، على أساس الماركسية، في اطار الحزب الشيوعي الكوبي الجديد.

وحين وصلنا كوبا، التي تتمتع بمناخ دافئ على مدار السنة؛ أستضافونا في فندق على شاطيْ الكاريبي، قيل لنا أن المافيا الأميركية كانت قد بنته أيام نظام باتيستا المقبور لهواة لعب القمار الأميركيين، حيث كانت كوبا لهؤلاء الأميركيين عبارة عن صالة قمار وماخور للدعارة. كانت أجنحة هذا الفندق التي نزلنا فيها، نحن الكادحين، لا تصدق ببذخها وفخامتها؛ أما صالات لعب القمار، فكانت شيئا لم تقع على مثله أعيننا من قبل.

في اليوم الأول للمؤتمر، ألقى فيدل تقرير اللجنة المركزية للحزب الجديد. بالنسبة لي، وقد سبق أن حضرت العديد من مؤتمرات الأحزاب الشيوعية الشقيقة، كان هذا التقرير فريدا من نوعه. فقد استغرقت تلاوته جلستي الصباح وبعد الظهر؛ لكنه على طوله كان الأكثر جاذبية وتشويقا. فقد استعرض فيدل تاريخ صراع أميركا اللاتينية كلها مع الكولونياليين الأوروبيين، ومن بعدهم مع الامبرياليين الأميركيين. كانت مادة التقرير بالغة التشويق، أضفى عليها فيدل نكهة مشوّقة بكاريزميته غير العادية المصحوبة بحركات من يده وجسمه العملاق.

بعد اختتام المؤتمر، انعقد اجتماع جماهيري، كان بمثابة بحر من البشر، قدّر بحوالي المليون ونصف المليون، خطب فيه فيدل فألهب الحضور بكلماته. وكانت الهتافات، والأناشيد والأغاني الثورية تهز الميدان المترامي والممتد على شوارع فرعية. كانت حرارة هذا اللقاء الأسطوري تفوق كثيرا دفء كوبا المعروف.

والمثير، أن هذا القائد الفذ الذي تحدّى وقهر أعتى امبريالية تقع على مقربة من وطنه، وفي أكثر من معركة مكشوفة، بما فيها معركة خليج الخنازير، حين حاول الأميركيون غزو الجزيرة التي تحررت للتو من عبوديتهم، وقاموا بعملية انزال للقوات المعتدية في ذلك الخليج الكوبي، وقاد فيدل بنفسه عملية هزيمة الغزاة وطردهم.. هذا القائد الفذ، لم يكن له في حياته أي تمثال في وطنه، بل ولا حتى صورة، سواء في الشوارع أو المؤسسات ؛ بينما الحكام العرب الذين لم يجلبوا لشعوبهم سوى الهزائم، تملأ تماثيلهم كل مكان! أليس هذا مدعاة للتأمل والمقارنة؟..

وبرغم التهديد المتواصل والحصار الشديد، كانت جزيرة الحرية، رغم حجمها المتواضع، مساحة وسكانا، نموذجا لممارسة الأممية الثورية، فعلا وليس مجرد قول. فجنودها البواسل قاتلوا في انغولا وغيرها من الدول الافريقية ضد المستعمرين وعملائهم المحليين، وخبراؤها وأطباؤها موجودون في العديد من الدول، وبخاصة في أميركا اللاتينية، وجامعاتها ومعاهدها تستقبل سنويا، وحتى اليوم، أعدادا غفيرة من طلاب البلدان الآسيوية والافريقية والأميركية اللاتينية، للدراسة المجانية في مختلف التخصصات.. كان صمود كوبا، وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، نوعا من المعجزة ومصدر الهام وقوة مثال على التصميم الثوري وبخاصة لشعوب أميركا اللاتينية. واليوم، لم تعد كوبا يتيمة في الدفاع عن استقلالها في وجه مؤامرات الامبريالية الأميركية وعملائها في تلك القارة؛ فالى جانبها تقف، اليوم، فنزويلا ونيكاراغوا وبوليفيا وغيرها.

كانت آخر زياراتي لجزيرة الحرية عام 1994؛ أي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وقطع يلتسين مختلف المساعدات عن كوبا. وكانت بادية للعيان ،حينها، آثار الحصار الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة على جزيرة الحرية، والذي تضاعفت آثاره بقطع المساعدات السوفياتية، وبخاصة النفط، مما أضطر الشعب الكوبي، ضمن اجراءات التقشف القاسية للعودة الى حراثة الأرض على الثيران، بعد انعدام الوقود للتراكتورات.

وقد صادف وجودنا في تلك الزيارة مع احتفالات أول أيار في كوبا، حيث اتيح لي أن أشاهد واستمع، مرة أخرى وأخيرة، لفيدل خطيبا. ورغم تقدمه في السن ومصاعب التحديات المتفاقمة حينها، كان يحتفظ بكاريزميته وبكامل سحره في التأثير على شعبه ومستمعيه.

كان صمود كوبا المحاصرة والتي تقع على مسافة تسعين ميلا فقط من قلعة الامبريالية العالمية، وبخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، حيث واجهت تحديات تفوق بعشرات المرات تلك التي واجهتها الأنظمة الاشتراكية في بلدان أوروبا الشرقية، التي تهاوت كأوراق الخريف، خريف العالم 1989.. كان هذا مدعاة للمقارنة العميقة. لكن السر الأساسي في صمود كوبا مقابل سقوط الأنظمة في أوروبا الشرقية يكمن في أن الشعب الكوبي صنع ثورته ونظامه الجديد بيديه، بينما أنظمة أوروبا الشرقية جاءها النظام الجديد على ظهر الدبابة السوفياتية التي حررتها من الاحتلال النازي. وحين قررت زمرة غورباتشوف - ياكوفليف، التحوّل عن النظام الاشتراكي، كانت أول خطوة تحضيرية في مسيرة الردة هذه، رفع الغطاء عن الأنظمة الاشتراكية في شرقي أوروبا واسقاطها؛ وقد لعبت مؤسسة الكي جي بيه (المخابرات السوفياتية) التي كان لها وجود ونفوذ قوي في هذه البلدان دورا مرموقا في اثارة الفوضى والمظاهرات المضادة لتلك الأنظمة حتى سقوطها.

والمغزى الأساسي من كل ذلك أنه حين يدرك الشعب ويعي الهدف المشروع الذي يطمح لتحقيقه وتتوفر له القيادة الثورية المطلوبة، فهو قادر على مواجهة اعتى التحديات واجتراح مختلف المعجزات؛ ولدينا، اليوم، مثال مشرق مشابه في شخص الشعب اليمني الباسل، الذي يتصدى برغم الحصار والتجويع والكوليرا بشموخ مثير، لعدوان التحالف السعودي - الإماراتي، المدعوم من واشنطن واسرائيل وبجيش من المرتزقة، ويصيبهم بالعجز والإرباك.



عن موقع الجبهة
3/12/2017





® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com