ناصر... وقلب العروبة النابض - د. فؤاد خطيب


كنا صغارا في عمر الورد أقدامنا ضَربت أديم الأرض التي اهتزت تحت وقعها وكم كانت جميلة وشقية حياتنا ورؤوسنا عَانقت كبوش الغمام. كان لنا أفق ومد قومي وَصَل عنان السماء وكُلنا شوق لمعرفة السر العظيم الذي جعل مدينتنا الصغيرة تَصمت وكأن على رأسها الطير.كل شيء توقف وكان صوت عبد الناصر يلعلعُ في قلوب الكبار والصغار بعدما ألفناه نحن الصغار وكأنه فعلا طائر الرعد الذي انتظرناه آتيًا من خلف الهوان ومن خلف الضياع الكبير بعد النكبة التي عاش آثارها أهلنا واخوتنا الكبار عام ضياع فلسطين. لن نفهم السياسة آنذاك بعد ولم تفهمنا ولكننا تشربناها من صوته وجَبروته ورضعنا معنى الوطنية والقومية والعروبة ومعنى عدم الانحياز، بعد أن انحاز هذا البطل القوميي العربي بامتياز بكل جمال روحه وعنفوانه الى الفقراء والعمال والفلاحين، وخلق ثورة أعادت للعرب بعضا من كرامتهم وموقعهم الطبيعي بين الأمم الذي ضاع في متاهات الزمن. أصبح ناصر وأصبحت مصر فعلا ام الدنيا والقاهرة مركز العالم وأصبحت تقود العالم برمته للتخلص من العبودية والاستعمار. ذاك اليوم الأغبر يوم رحيله لن ينساه أحد ممن عاصره. أتت معلمة الانجليزية العربية القومية السمراء الجميلة الى الصف وقد اغرورقت دموعها على وجهها التي ذرفتها أمامنا وهي تمسح نظراتها وتشرح لنا عن ذاك الحدث العظيم وعن ذالك الفراق الاليم الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتى يومنا هذا. ناصر كان في قلوبنا الصغيرة حلم جميل ارتحل أمامنا على جناح حمامة بيضاء الى أبدية بيضاء ناصعة كروحه الطاهرة، لم نعرف طريقها بعد ولو عرفناه لارتحلنا كلنا معه حينها على جناح الحمامات البيضاء لأننا أحببناه مثل اخوتنا الكبار، وحملنا معنا أطياف ذاك الحلم الذي حلمه وبدا يحققه لنا كلنا نحن أطفال العرب من المحيط الى الخليج. نعم رحل ناصر جسدا ولكنه لم يرحل ولن يرحل من قلوبنا فها هي صورته أبدا تحتل صدر البيت ولم تفارقني حتى في غيابي سنينا طوالا مقتفيا آثار العلم في البلاد البعيدة، نعم حَمَلتها في كل أسفار حياتي قريبة من العين والقلب، كانت وما زالت هوية وجودي . ناصر لم يفارق أحرفي وكلماتي التي كتبتها والتي سأكتبها فهو في الوجد والوجدان وهو ذلك الشعاع الذي وصل مرة الى المستحيل وذاك الفكر القومي النهضوي الذي بدا ينتفض تماما مثل العنقاء التي تنتفض الآن من النار والرماد في ساحات دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء. العالم السياسي كان يعرف حينها بالقوى العالمية الثلاث أمريكا والاتحاد السوفييتي وجمال عبد الناصر البطل العربي القومي الثوري الفذ الذي جر العالم كله بقاراته الثلاث أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية الذي بدأت تتحرر من البغي الغربي والظلم والاستعمار. صادق عبد الناصر وحَالف الثوار العظام أمثال كاسترو وجيفارا ونهرو وتيتو وباتريس لومومبا وأحمد وبن بلا . أولئك الثوار العظام بناة طريق التحرر من الاستعمار وخلق حضارات الشعوب وثقافات الشعوب وصداقاتها. رغم الألم الذي نعيشه الآن في عالمنا العربي ورغم الحزن والانكسار ما زالت روح ناصر تشدنا في أواصرها وروعتها وتعطينا راية جيل قاوم لنقاوم أبد الدهر حتى تتحرر الشعوب كلها وتهدأ روح ناصر في فلكها، وهي ترى الشعوب العربية والمغلوبة على أمرها تتحرر من قيودها وكما أراد لها من دمشق قلب العروبة النابض التي عشقها ناصر كما يعشقها كل عربي حقيقي يفتخر بعروبته وحضارته وحقه الخالد في الوجود والبقاء والتطور والتحرر. الى روح ناصر وروح كل الثوار الكبار نذرف دمعة ودمعة ونسقي بها وردة التحرر الدمشقية التي أزهرت الآن.

عن موقع الجبهة
4/10/2017





® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com