أسرى الحرية بين النصر والشهادة - تميم منصور


** حقهم الطبيعي

جميع هذه المطالب التي يرفعها أسرى الحرية ليست سياسية، بل هي مطالب اجتماعية، إنسانية لا تشكل خطرًا على أحد، لكن حكومة الابرتهايد برئاسة نتنياهو وليبرمان واردان وغيرهم، معروفة بساديتها ونزعتها اللاانسانية، انها تحاول منع الاوكسجين من الوصول الى القصبات الهوائية لهؤلاء المناضلين، لا تؤمن بأنه من حقهم الطبيعي مقاومة الاحتلال، بكافة الطرق والأساليب، انها لا تقرأ التاريخ، ولو قرأته لوجدت أن انتفاضة أسرى الحرية الفلسطينية، ليست الأولى من نوعها على مر العصور، لقد سبق هذا النوع من انتزاع حقوق سجناء الحرية انتفاضات كثيرة، تخللها العنف الجسدي والتمرد والاضراب عن الطعام..

عندما كان يمثُل أي يهودي من عملاء الصهيونية للتحقيق بشبهة ما داخل الاتحاد السوفييتي، كانت إسرائيل مدعومة من منظمة الصهيونية العالمية، ومدعومة من قوى امبريالية تقيم الدنيا ولا تقعدها، تعمل على تجنيد وسائل إعلام عالمية للدفاع عن أي متهم يهودي، حتى لو كان متشردًا قاتلًا منحرفًا، يكفي أنه يهودي واذا تم اعتقال هذا المتهم ينال أوسمة البطولة والصمود، ويمنح لقب "أسير صهيون".

أما اذا طالب أسرى الحرية الفلسطينيون في سجون الاحتلال، وبعيدًا عن التشبيه!، بتحسين ظروف حياتهم للتخفيف من ظلمات هذه السجون، فهذا يعني أنهم تجاوزوا كل الخطوط الحمراء، وانهم يستحقون الإعدام، كما طالب أكثر من وزير واحد في حكومة الكوارث برئاسة نتنياهو.

عندما أصيب أسرى الحرية باليأس بأن مطالبهم خارج اهتمام سجانيهم، لجأوا الى أصعب طريقة وأشدها نضالًا وكفاحًا لتلبية هذه المطالب، لم يبق أمامهم سوى اللجوء الى معركة الأمعاء الخاوية، وهي معركة تعني إما النصر أو الشهادة، والكل يعرف أن وعورة الطريق للوصول الى قمم النصر، لا تختلف عن وعورة طريق ودروب خيار الشهادة.

إن سياسة سلطات الاحتلال معروفة، وهي أنها تحاول دائمًا كسر صلابة وصمود وثبات أسرى الحرية، وقد فشلت حتى الآن، رغم أنها اعتقلت حسب الإحصاءات منذ عام 1967، حتى اليوم، ما يقارب الأربعة ملايين فلسطيني، لقد عجزت عن كسر شوكة صمودهم، والسبب أن طبيعة كل فلسطيني يخلق من رحم المعاناة، والمطاردة والمداهمات وظلمة السجون، الاحتلال منع الأطفال الفلسطينيين من ممارسة وعيش عمرهم الطفولي، فالطفل الفلسطيني يخلق ليجد والده أو والدته أو أشقاءه أو عمه أو خاله او جاره في سجون الاحتلال، انه يعيش منذ نعومة أظفاره في مناخ نضالي وبطولي، فالسجن بالنسبة لهذا الطفل جزء لا يتجزأ من ممارساته الحياتية.

اليوم يخوض أسرى الحرية في سجون الاحتلال معركة فاصلة، لا تراجع فيها، يستمرون في هذه المعركة، رغم أن سلطات الاحتلال تحاول أن تتجاهل مطالبهم وحقهم الطبيعي في تحسين ظروفهم، وما أن بدأت انتفاضة الأسرى التي نأمل أن تكون شاملة، جماعية، حتى تصدت لها قوات الاحتلال بكل وسائل العنف، من أجل افشالها، لكن كلما زادت هذه السلطات من ممارساتها القمعية ضد المضربين، فان انتفاضتهم تزداد عنفًا، وتتسع دائرة الداعمين لها.

من بين الممارسات القمعية التي أقدمت عليها هذه السلطات، الإسراع في تفريق المضربين عن بعضهم البعض، لأنها تؤمن أن تشتيتهم يضعف عزيمتهم ويساعد على اختراقهم وكسر ارادتهم، وقد كان في مقدمة من تم تفريقهم، المناضل الكبير مروان البرغوثي، فقد نقل الى مكان مجهول، كما أن حكومة الأبرتهايد أصدرت أمرًا يمنع ذويهم من زيارتهم، كي تزيد من عزلهم، على أمل تحطيم معنوياتهم، وسارعت سلطة السجون من مصادرة كل أدوات الكتابة وأدوات الاتصال والكتب وجميع حاجياتهم الشخصية.

لكن جميع هذه الممارسات القمعية والتنكيل بهم وبأسرهم، لم تكسر ارادتهم بل زادت من اصرارهم على المضي في معركتهم ومطالبتهم بأدنى الحقوق التي يجب أن يحصل عليها كل مقاوم وكل سجين سياسي، من بين مطالبهم العادلة، مثلًا : تحسين المعاملة كي تصبح فيها روح الإنسانية، انهم يطالبون بحقهم في توفير هواتف عامة بالقرب من غرف سجنهم، لأن هذه الهواتف متوفرة للسجناء غير الأمنيين، حتى أصحاب سجلات الاجرام والعنف والمخدرات، كما انهم يطالبون بزيادة مدة اللقاء بينهم وبين أسرهم، أثناء قيام أسرهم بزيارتهم، لأن المدة المقررة حاليًا، لا تبل ريق تعطشهم وشوقهم لرؤية أطفالهم وذويهم.

يطالبون من سلطات السجون أن يسمح لهم بأخذ الصور المشتركة مع أبناء عائلاتهم، إضافة الى مطالبتهم بتحسين أسلوب وخدمات العلاج الصحي، حيث يكون العلاج استخفافًا بصحة الأسير ولا يقدم له العلاج اللازم والعناية والرعاية.

يطالبون بتوفير مكيفات للتخفيف من شدة الحر أيام الصيف الحار، يطالبون أيضًا بمنحهم حق تكملة تحصيلهم العلمي، ويصرون على وقف الاعتقال الإداري، ومما هو جدير بالذكر أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة بين دول العالم التي ترتكب حتى اليوم هذه الجريمة اللا انسانية.

إن جميع هذه المطالب ليست سياسية، بل هي مطالب اجتماعية، إنسانية لا تشكل خطرًا على أحد، لكن حكومة الابرتهايد برئسة نتنياهو وليبرمان واردان وغيرهم، معروفة بساديتها ونزعتها اللاانسانية، انها تحاول منع الاوكسجين من الوصول الى القصبات الهوائية لهؤلاء المناضلين، لا تؤمن بأنه من حقهم الطبيعي مقاومة الاحتلال، بكافة الطرق والأساليب، انها لا تقرأ التاريخ، ولو قرأته لوجدت أن انتفاضة أسرى الحرية الفلسطينية، ليست الأولى من نوعها على مر العصور، لقد سبق هذا النوع من انتزاع حقوق سجناء الحرية انتفاضات كثيرة، تخللها العنف الجسدي والتمرد والاضراب عن الطعام، نذكر من هذه الصور النضالية المميزة، إضراب العبيد الذين تواجدوا على متن السفن البريطانية، فأثناء نقل شحنات من هؤلاء العبيد، بعد اصطيادهم من غابات افريقيا، كانوا يحشرون في حاويات ضيقة كالحيوانات داخل السفن، وقد اضطر هؤلاء العبيد للإضراب عن الطعام، لإجبار جلاديهم على تحسين ظروف شحنهم المهينة المأساوية، حدث ذلك في النصف الأول من القرن الثامن عشر، وقد ارتكب التجار البريطانيون جرائم بحق هؤلاء العبيد، عندما استخدموا الكماشات والمفكات لفتح أفواه هؤلاء المضربين، لإرغامهم على تناول الطعام، هذا ما تفعله اليوم سلطات السجون في إسرائيل، عندما تجبر السجناء المضربين على تناول الطعام.

استخدم أيضًا سلاح الأمعاء الخاوية لنيل الحقوق، السجناء من منظمة – آي – آر –أيه الايرلندية، أما في الهند، فقد تحول اضراب غاندي الزعيم الهندي المعروف الى مدرسة مميزة من مدارس النضال والكفاح ضد الاستعمار البريطاني، وعندما كان غاندي يضرب عن الطعام، كان غالبية أبناء الشعب في الهند تتضامن معه، فيهتز العرش البريطاني داخل الهند.

وحتى يهتز عرش حكومة نتنياهو، يجب أن يكون التضامن مع معركة اسرى الحرية شاملًا في جميع العواصم العربية والإسلامية، وعواصم كثيرة في العالم، يجب وضع برامج إعلامية من قبل السفارات الفلسطينية والأحزاب والفصائل والنقابات والجمعيات، لتعرية إسرائيل أمام شعبها وأمام العالم، ومن واجب السلطة الفلسطينية حث الجامعة العربية على اتخاذ خطوة بهذا الشأن، وأيضًا منظمة المؤتمر الإسلامي، العمل على تدويل نضال وكفاح ومعركة اسرى الحرية.

هناك بعض التحركات البطيئة، لكن مقاس هذه التحركات لا يزال دون قيمة الحدث، دون قيمة تفاؤل أسير ينتظر الحصول على بعض الحقوق ليحيا وراء القضبان بأمل.

عن موقع الجبهة
29/4/2017






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com