انتصار حلب انتصار للقضية الفلسطينية - نعيم الأشهب

انتصار حلب المدوّي يتجاوز، في مدلوله ومغزاه، وبشكل غير عادي،البعد السوري المحلي الى البعدين الأقليمي والدولي . فهو يؤشر،على النطاق الأقليمي، على بداية تشكل توازن للقوى جديد في منطقة الشرق الأوسط، حصيلته المنطقية ستكون ظهور نظام اقليمي بديل، تفقد فيه القوى الرجعية، بقيادة السعودية، تفوقها وزمام المبادرة، الذي استحوذت عليه منذ النكسة الكبرى لحركة التحرر القومي العربية، في الخامس من حزيران 1967. أما في البعد الكوني لهذا الأنتصار، فهو تأكيد نهاية النظام الدولي أحادي القطبية. وفي هذا الصدد فإن أية مقارنة بين الدورين الروسي والأميركي في الصراع على الساحة السورية، وقبل ذلك في الأزمتين الجورجية 2008 والأوكرانية 2014 اللتين افتعلتهما واشنطن، يؤكد ذلك.

بمعنى آخر، جاء انتصار حلب حصيلة مواجهة انتظمت فيها ليس فقط قوى سورية محلية وانما قبل ذلك وأبعد من ذلك بكثير قوى اقليمية ودولية في الأساس ؛ ومن هنا، بالضبط ، تكتسب هذه المعركة مغزاها التاريخي باعتبارها نوعا من حرب عالمية . ولعل أفضل معيار لرصد أبعاد انتصار حلب، هو في متابعة مظاهر المآتم والعويل المنتشر على امتداد دوائر الرجعية والصهيونية والأمبريالية على النطاقين الأقليمي والعالمي .

من المعلوم أنه منذ أن أفلح التحالف الرجعي في المنطقة بالتعاون مع الأمبريالية واسرائيل في اغتيال الحراك الشعبي العربي، الذي اندلع منذ بداية العام 2011، في سبيل مطالب مشروعة، فقد بقيت سورية "الجوزة" التي استعصت على الكسر، ومنها بدأ الرد المعاكس. ومعلوم أنه منذئذ تركز ثقل هجوم التحالف المذكور وتصاعد ضد سورية، وكان من الطبيعي أن تستقطب هذه المعركة وتتحوّل الى بؤرة لمواجهة اقليمية ودولية ؛ وجاء انتصار حلب، بعد صراع طاحن قارب، زمنيا، سني الحرب العالمية الثانية، ليؤشر بوضوح الى الأفق الذي ستنتهي عنده هذه المواجهة، بعد تصفية بقية بؤر الأرهاب فوق الأرض السورية والعراقية.

وغني عن القول بأنه لا يمكن فصل هزيمة المحور الأمبريالي - الصهيوني - الرجعي في حلب عن مسلسل هزائمه المتلاحقة، منذ أواسط العقد الأول للقرن الحالي حصرا. ففي صيف العام 2006 حرّكت واشنطن كلب حراستها في الشرق الأوسط - اسرائيل - للعدوان على لبنان لتصفية حركة المقاومة فيها، تمهيدا لأخضاع بقية أطراف محور المقاومة، وفتح الطريق أمام فرض مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الأميركي، والنتيجة معروفة .

وهكذا، شكل فشل العدوان الأسرائيلي على لبنان، صيف العام 2006 نهاية مرحلة وبداية أخرى .فقد سجّل هذا الفشل نهاية حروب العدوان المباشر بجيوش الولايات المتحدة وحلفائها، بمن فيهم اسرائيل، تلك الحروب التي وقعت في الشرق الأوسط حصرا، بمجرد انهيار الأتحاد السوفييتي والنظام الدولي ثنائي القطبية .. وفي الوقت ذاته، كان فشل العدوان الأسرائيلي على لبنان بداية مرحلة الحروب بالوكالة، بتجنيد عصابات الأسلام التكفيري.

واليوم، فإن انتصار حلب هو مؤشر على فشل الحروب بالوكالة كذلك. وليس مردّ ذلك أن واشنطن وحلفاءها أصبحوا أقل عدوانية وأكثر انسانية، بل لأن الشعوب غدت أكثر وعيا واستعدادا لخوض الصراع دفاعا عن بقائها وحقوقها . في الوقت ذاته، فإن انتصار حلب مؤشر على النهاية المحتومة لسيطرة هذا الأرهاب على الأرض، في سورية والعراق، بعد ان تمدد فوق مساحات شاسعة، تضم ملايين البشر والثروات والأثار، واحتمال تحوّل هذا الأرهاب كلية الى الأغتيالأت وزرع المتفجرات وأعمال التخريب والشقاوة الأخرى.وجرائم هذا الأرهاب الأخيرة، التي رافقت انتصار حلب وتلته في عدد من المواقع: ألمانيا، الأردن، تركيا، قد تكون مؤشرا على هذا التحوّل.

لقد دخل الأرهاب ترسانة العولمة الرأسمالية المأزومة كأحد أدواتها الفعالة،للتخريب والتدمير ضد من يستعصي على إرادتها، وسيبقى هذا السلاح التدميري ملازما لها كظلها. بمعنى آخر: أصبح الصراع ضد الأرهاب المعولم يتلازم عضويا مع الصراع ضد العولمة الرأسمالية في أية بقعة من العالم.

إن تشكل نظام إقليمي جديد، تفقد فيه القوى الرجعية والصهيونية زمام المبادرة، ويفتح الأفق لعودة العنفوان لحركة التحررالقومي العربية، جنبا الى جنب، مع متغيرات دولية يتضاءل فيها الوزن النسبي لمعسكر الأمبريالية والعدوان بقيادة الولايات المتحدة ..هذه وتلك هي مصادر واقعية لدعم نضال الشعب الفلسطيني في سبيل استعادة حقوقه القومية المهضومة.

إن حكام اسرائيل الصهاينة الذين وقفوا طيلة الأزمة السورية، سرا وعلانية، مع عصابات الأرهاب العاملة فوق الأرض السورية، وقدموا لها مختلف أنواع الدعم والمساندة، يولولون اليوم بسبب انتصار حلب،ويعلنون بأن ذلك سيعني أن حزب الله وايران سيصبحان، مباشرة، على حدودهم؛ وهذا اعتراف لا يحتمل التأويل بأن عصابات الأرهاب في سورية تمثل حاجز أمان لهم.

يبقى بعد هذا، أن تدرك القيادة الرسمية الفلسطينية، ولو متأخرة، أين مكانها الطبيعي في الصراع الدائر في المنطقة، وأن تتخلى عن الأنتظام في المحور، ليس فقط المتآمر على القضية الفلسطينية، بل الخاسر في الصراع الدائر في المنطقة، كما تشير الدلائل، وكما يرمز انتصار حلب.

عن موقع الجبهة
31/12/2016





® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com