مدخول عربي ومصروف فرنجي - د. حاتم عيد خوري
إبتدأ موسم الافراح، ومع بداية الموسم هذه السنة، كما في السنوات القليلة الماضية، تذكرتُ ما حدث لنا، زوجتي وانا، قبل بضع سنوات:

دُعينا للمشاركة في سهرة نجْلِ احدِ معارفنا، في احدى قاعات الافراح في جليلنا العامر. قررنا تلبية الدعوة. سارعْـنا، في الموعد المحدد، بالسفر الى القاعة. ركنتُ السيارة في موقعها. تحركنا مشيا نحو مدخل القاعة، حيث التقينا هناك، دونما تنسيق مسبق، بصديقينا فلاح ابو عدنان وزوجته. قلت لنفسي: "لقد تمَّت افراحُنا على خير"، إذ سيكون لدينا من نتحدث معه في هذه الامسية، سيما وان فلاح الذي يماثلني سنًّا وميولا ايضا، لا يهوى الرقص ولا يمارسه ولربما لا يجيده ايضا، فضلا عن كونه نديما ممتعا ومحدثا لبقا تطيب لي مجالسته واتوق لمحادثته.

تحقيقا لرغبتنا هذه، فضّلنا الهروبَ من السماعات وإزعاجاتِها المعروفة، فاخترنا طاولة في ركنٍ بعيدٍ عن المنصة. لكن ما ان ابتدأ ما يُسمى بالعزف، ناهيك عن غناء اشبه ما يكون بالزعيق، حتى ادركنا فشلَ خطتنا. حاولنا "التوسط " لدى تقني الصوت عسى ان يتكرم بخفض ارتفاع الاصوات المنبعثة، والاصح المنفلتة، من السماعات، ليس احتراما لحقنا في التحدث انما محافظة على سمَعِنا على الاقل. جنّدنا لهذه الغاية النادل وصاحبَ القاعة ووالدَ العريس على التوالي، غير ان محاولاتهم قد باءت بالفشل، بحجة الدوزان الذي لا يمكن تعكير صفوه، ولتذهب طبلات اذاننا "في ستين داهية". شعرتُ وكأن المغني و/او تقني الصوت يقول لي بصريح العبارة: "طابْلك (اي طاب لك)، طابْلك. ما طابْلك حمّل طبْلك(اي ارحلْ)". فكرتُ فعلا بمغادرة القاعة، لكني سرعان ما تراجعتُ، خشيةَ الاساءة للعريس ولذويه المغلوبين على امرهم كما يبدو، وتماشيا مع مثلنا المعروف "غُلب وسُترة ولا غلب وفضيحة" او لربما انتظارا لساعةِ فرجٍ اردتُ لها ان تتحقق عندما يتعانق عقربا الساعة على الرقم 11.... لكن كيف ساقضي هاتين الساعتين المتبقيتين من الزمن؟

اخذتُ امعنُ النظرَ بما يدور حولي، وكأني ألهي نفسي كي يمرّ الوقت. فعندما اصغيتُ مرغما للضجيج المنظّم، تساءلتُ: " هل صوت المغني قد أساء للسماعة فشوّه عطاءها أم العكس هو الصحيح؟ أم كلاهما شريكان متكاملان في إبداع هكذا سيمفونية مزعجة؟. فتذكرتُ فجأة نكتة الخوري سمعان. كان الخوري سمعان راعيا لكنيسة فسوطه (مسقط رأسي) في العشرينات من القرن الماضي، وكان يتمتع بصوت رنّان ويُحب الاصوات العذبة معتبرا اياها مدعاة للايمان، خصوصا في الكنائس المشرقية التي لا تستخدم الآلات الموسيقية في طقوسها الدينية، كما كان يكرهُ سماع الاصوات المنفِّرة على حد تعبيره كصوت بطرس الحداد، ولطالما سمعه الناس يردد: "كل اصوات مرتلي الجوقة الكنسية جرس إلا صوت بطرس جاروشة". وهكذا وبينما كان ابونا سمعان يجري الترتيبات النهائية لقداس عيد القيامة، المعروف جماهيريا باسم العيد الكبير، وهو عيد إحياء ذكرى قيامة السيد المسيح من بين الاموات (وفقا للعقيدة المسيحية)، راى ان بطرسَ بالذات يحضّر نفسَه ليرتل على انفراد ترتيلة "المسيح قام من بين الاموات... " التي تُعتبر اهم ترتيلة في هذه الصلوات، فصرخ في وجهه قائلا له: "إياك ان ترتل لئلا تُخَرِّب لنا العيد". ذُهل بطرس قائلا باستغراب شديد " أخرّبُ العيد! كيف!؟". فقال له الخوري: "اذا سيدنا المسيح فتح عينيه وسمع صوتك، رايح يغمض عينيه مرة ثانية ويقول لنفسه: الموت ولا هالصوت".

تسلسل افكاري هذه، قطعَهُ وصولُ والدِ العريس اليّ في إطار جولته التقليدية بين طاولات الضيوف للترحيب بهم، فاستغلَّ استراحةً نادرة بين وصلتين "طربيتين"، ليخبرني باعتزاز انهم منذ اسبوع لم يناموا. التعاليل كانت حامية حسب تعبيره، وحافلة بالاكل والشرب والغناء عبر سماعات تشق عنان السماء ولا تصمت حتى يرقّ الليل. هذه المعلومة التي زودني بها والدُ العريس، جعلتني أتاكد مرة اخرى، ان معظم اعراسنا، قد بات كلٌّ منها عرسين(تقليدي وعصريّ) مدمجين في عرس واحد يستنزف اهل العروسين واصدقاءهم ويلوث جوَّ ليالي اطفالنا وطلابنا وعمالنا وموظفينا ومرضانا ومحزونينا...، ويبدو للكثيرين هجينا مشوّها ينطبق عليه مَثَلُ مشية(اي طريقة مشي) الغراب الذي تقزز من مشيته الاصلية، فاراد ان يقلد الحجلة، لكنه نسي مشيته ولم يتعلم مشية الحجلة، فجاءت مشيته خليطا بين المشيتين وبشعة للغاية.

أمّا عندما رايتُ البذخَ في تنوع الطعام ورصدتُ الكمياتِ الهائلة التي تذهب هدرا قبل الوجبة الرئيسية وبعدها ايضا، لا سيما على خلفية معرفتي الشخصية بوضع والديّ العريس ماديا، تذكرتُ قصة الياس ابو جرمانوس. كان ابو جرمانوس فلاحا ككل الفلاحين الاخرين في اعالي الجليل، يعتاش من زراعة التبغ، بالاضافة الى بعض المزروعات القليلة الاخرى التي يستغلُها للاستهلاك المحليّ كالقمح والعدس والفول الخ....اما الحليب فمن بقراته والبيض من قن دجاجاته....كان سعيدا بمعيشته البسيطة التي تندرج في اطار "خبزنا كفاف يومنا". اخذت الاحوال تتغير في اواخر الخمسينات من القرن الماضي، إذ كبر الاولاد سيما البنات، وانفتحت عينا ام جرمانوس على الدنيا، فاخذت تطالب ابا جرمانوس، يوما بفستان جديد وفقا "للموضة"، ويوما آخر بتكاليف تسريحة جديدة، ويوما ثالثا بعيد ميلاد لكريمتهما المحروسة التي "تفور فورا على طريق الصبايا" الخ.... كان ابو جرمانوس يتجاوب مع طلبات زوجته مندفعا بعاطفته الزوجية والابوية الصادقة. لكنه ما لبث ان فهم بذكائه الفطري، أن استمرار تجاوبه مع طلبات زوجته، سيضعضع ميزانيته وقد يضطره الى مدّ يده للآخرين لا سمح الله.... شرح ابو جرمانوس لزوجته دقّة الموقف، فابْدت تفهما عبّرت عنه بقولها: "طيّب بس يتحسن وضعنا". ردَّ أبو جرمانوس بحزم قائلا لها: "بس كيف بدو وضعنا يتحسن اذا مدخولنا عربي ومصروفنا صار فرنجي؟!!".

28/6/2016




® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com