عودة الى أدب وفن

وداعًا للفلسطيني الثائر غسان مطر - شوقية عروق منصور


تتعدد الأماكن، المحطات، أسماء الشوارع، العناوين، أرقام البيوت، المطاعم، الحدائق، الجبال، الوديان، البحار، الشواطئ، المتاحف، جميعها بالنسبة للمسافر بطاقات خروج لاصطحاب مواكب الدهشة ثم العودة إلى الوطن، لكن ماذا يفعل اللاجئ الذي يحمل الوطن في جيوبه، وعناوينه موزعة في أنحاء العالم واسمه الحركي تائه، ملاحق، مطارد.

مات الفلسطيني " غسان مطر" أو "عرفات حسن المطري " كما هو مسجل في سجلات النازحين، ذلك اليوم الذي التقيت في العام 1983 كان حصار بيروت يفرض حضوره على اللقاء، تحدث عن قسوة الحصار وصمود المقاتلين وعن رائحة الخبز التي ما زال يشمها حتى الآن، فهو كان مسؤولًا مع الشاعر معين بسيسو عن توزيع الخبز للمقاتلين، يطوف صباحًا بين الردم والبيوت الآيلة للسقوط، يتحدى الطائرات الإسرائيلية التي ترمي القذائف و البارجات الحربية التي تطلق الصواريخ،كان الحصار لكسر ظهر الشعب الفلسطيني، لذلك الرد الوحيد هو الصمود وعدم الاستسلام، كل واحد منا كان في موقعه، المواطن البسيط مثله مثل القائد والمقاتل، قال أيضًا عملت مذيعًا في راديو الحصار وشاركت في الكتابة في النشرة اليومية التي كانت توزع على المحاصرين لمعرفة آخر التطورات السياسية.

ضحك ضحكة الفلسطيني الذي يؤمن بقدره، يمد أبجدية الغياب ويتضوع بعطر الحياة، هل تعرفين أنني تعرضت للموت عدة مرات، وكل مرة كنت أنجو..!! عندي إحساس أنني لن أموت قبل أن يتحقق حلم العودة وإقامة الدولة الفلسطينية..!!

و خذله إحساسه..ها هو الموت يرسمه كنجمة انتظرت طويلًا ثم رحلت وهي تحمل حفنات دموع، وحفنة تراب من يافا.

قال لي: رحتي على حي العجمي..؟؟ صوته الأجش الجهوري يترك مساحة من الذاكرة تسقط على الطاولة أمامي.. أضاف أنا من مواليد مدينة يافا عام 1938، عشت في حي العجمي، أبي كان يعمل سائس خيول.. وبجانب بيتنا كان هناك خان كبير حيث تبيت الخيول.. في ذاكرتي البحر والشاطئ والحارات الضيقة وبيوت الجيران والأقارب.. صمت.. شعرت أن اللغة لم تعد قارب نجاة من تدفق الصور، تنهد.. أصابعه تعجز عن تقليب صفحات الذكريات..!! سألته بعد النكبة أين ذهبتم..؟؟ آه.. لبنان، مرحلة صعبة، قاسية، فقر، جوع، كنا عشرة أنفار.. عشنا في مخيم البداوي شمال لبنان.

تخيلي أطفالا وفقراء ولجوءًا وصدمة أب وأم من ضياع بيت ووطن، ونظرات غريبة تتهمك بأنك تركت بلادك من أجل بعثرة وطن آخر، أنك تسرق وطنًا بعد أن بعت وطنك.

تعلمت في مدارس المخيم، كنت دائمًا في حالة غضب وثورة ونقمة، كنت أشعر أنه يجب أن نعمل شيئًا، أسسنا إذاعة الثورة بمدينة طرابلس مع نايف حواتمة، كان نايف يكتب المقالات السياسية وأنا أذيعها بصوتي وكان ذلك عام 1962 وعملت بعدها ببرامج عديدة أشهرها "ركن فلسطيني" ثم تقدمت للعمل في التلفزيون، وعندما سألوني عن اسمي قلت "غسان مطر" قلتها بسرعة وقد اقتبست الاسم من الصحفي غسان تويني مؤسس جريدة النهار التي عملت بها مصححًا صحفيًا.

عام 1969 قدمت فيلمين عن القضية الفلسطينية (كلنا فدائيون) و (الفلسطيني الثائر) كانت السينما الفلسطينية في بداياتها ولم يجدا الشهرة، حيث كان العالم العربي مشغولًا بآثار النكسة. بعد ذلك انتقلت للقاهرة وقمت بتصوير العديد من الأفلام مع فريد شوقي أحمد رمزي وأحمد مظهر، وأيضًا قمت بتمثيل عشرات المسلسلات مثل مسلسل (قصص من القرآن).

شخصية الشرير كانت مسيطرة على فنك، لماذا لم تخرج من هذه الشخصية؟؟ كان السؤال الذي فجر كتلة الوجع لتسيل نزيفًا.. أراد أن يصحح به حقيقة الفن والفنانين وعالم التمثيل، وكيف يمكن لفنان أن يتحدى عالم الإنتاج والإخراج وكيف استغله صناع السينما المصرية في حشره بشخصية رئيس العصابة أو الاستغلالي أو الذي يخيف الناس.. لم يلمس أحد المنتجين قدرة الممثل في داخلي..! هكذا صاح بصوته.. حتى اليوم لم أجد فرصتي الذهبية.

اللقاء الصحفي كان حول بيته وبناته وزوجته وابنه جيفارا.. قال: لقد ولد ابني يوم مقتل الثائر جيفارا.. كنت اقرأ نشرة الأخبار في التلفزيون اللبناني.. وأعلنت مقتل الثائر جيفارا أثناء الإعلانات وردني اتصال أن زوجتي أنجبت طفلًا ذكرًا، فأعلنت أن الليلة قتل جيفارا واليوم ولد ابني جيفارا، لقد أعلنته على الملأ نكاية بهؤلاء الذين فرحوا لمقتل الثائر.

كان لقائي مع غسان مطر أول لقاء له مع صحفي فلسطيني من عرب 48، وامتد الحديث وتشعب، عن عالم التمثيل إلى عالم السياسة، إلى صداقته مع القائد ياسر عرفات إلى عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني، إلى كتاباته الشعرية..

بعد عدة أشهر قرأت عن مقتل زوجة غسان مطر وابنه جيفارا ووالدته أثناء اقتحام البناية التي يسكن بها، كانوا يبحثون عنه، يريدون رأسه.. لم يجدوه.. فقتلوا عائلته.

حين التقينا في القاهرة عام 1984 حدثني كيف سمع خبر مقتل عائلته صباحًا في إذاعة مونت كارلو، لقد أعلن المذيع مقتل العائلة ثلاث بنات والابن والزوجة وأمه، طوال عشر ساعات كانوا يقدمون له التعازي بعائلته التي أبيدت بطريق الغدر، لكن بعد عشر ساعات عرف أن بناته الثلاث ما زلن على قيد الحياة، وقد قام نبيه بري رئيس حركة أمل – رئيس مجلس النواب اللبناني الآن - في عملية تهريب البنات إلى بيته الذي كان قريبًا من بيت غسان، وقد أخفى الموضوع عن وسائل الإعلام خوفًا من اغتيالهن. وقد تم عبر السفارة المصرية في بيروت إرسالهن بطائرة خاصة إلى القاهرة إلى والدهن.

رسالة ملك الموت الذي خطف الفنان غسان مطر تركت الصور والذكريات وصناديق البريد التي تحمل سطور الشقاء والتحدي، الخوف والتألق، لم يتنكر هذا الفلسطيني لوطنه، ولم يصعد إلى قطار التنازل، لقد بقي كالمصارع الأخير في الحلبة يغني بصوت خافت " يا زمان الوصل في فلسطين ".

عندما أرسلت له قصيدة " جيفارا " التي كتبتها بعد مقتل ابنه.. أرسل لي.. لماذا شعبنا مرصود للمذابح؟؟ لكن لن أركع.. سأظل غسان على حدود الضوء والحرية.

عن موقع الجبهة
أذار 2015







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com