عودة الى أدب وفن

المتمرد على القوالب المتنقل بين الشعر والوجودية… الجامعة اليسوعية تحتفي بـ «أنسي الحاج» الحاضر رغماً عن الغياب - زهرة مرعي


بيروت ـ «القدس العربي»: من الكلمات الأخيرة التي خطها أنسي الحاج: «قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت… سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا… إصبروا عليَّ لأجمع نثري… زيارتكم عاجلة وسفري طويل…». المسافر طويلاً حضر بتألق، لمعت لغته الشعرية كشعاع شمس، في أمسية علنية، رغم ميله للانكفاء عن الاحتشاد. بعد عام من الوداع كان اللقاء حميماً مع كلمات أنسي الحاج، لغته، أفكاره وتجديده. في قاعة أبو خاطر في جامعة القديس يوسف كان هناك مهرجان يليق بقامة باسقة في الشعر، ليس لتذكر، فأمثاله لا يقربهم النسيان، بل للحبور بحضوره الأدبي، عبر كلمات لمشهودين في الأدب والشعر.

«أنسي الحاج: سيرجع الكون جميلاً». هكذا عنون معهد الآداب الشرقية في الجامعة اليسوعية الكتيب المعد للمناسبة إلى برنامج الحفل، احتضن الكتيب قصيدة للشاعر عبده وازن «قداس جنائزي لأنسي الحاج»، أبحر خلالها في شعر الراحل، وأمواج أفكاره المتلاطمة، منها اخترنا: يمكنك الآن أن تصرخ بملء جوارحك.. لن ولن ولن.. أن تعاتب الله وتسأله.. أن تكسر زجاج صمته.. أن تكشف له عن جرح في راحتك..أن تنقذه من مقتلةٍ تقرع الأجراس.. وتدعوه إلى الوليمة.

في تسلسل المتحدثين عن أنسي الحاج كان لمدير معهد الآداب الشرقية الأب صلاح أبو جودة اليسوعي، أن يصف المحتفى به «علم شامخ من أركان الشعر العربي، إنسان مرهف صادق، مواطن هام حباً بوطنه، يترك في النفس أثراً لا يمحى». وكان لافتاً أن يستعيد قصيدة من خواتيمه «يسوع المسيح أحضر حالاً». وصفها بالكلمات الشفافة التي تتمرد على واقع قاسٍ.. وبأنها «صلاة شكر وعتاب».

ونظراً لسفر رئيس الجامعة سليم دكاش اليسوعي، تحدث بالنيابة هنري العويط «رئيس مجلس الفكر العربي»، وفي كلمته دعوة لدراسات وأبحاث تتناول شعر الحاج على مدى نصف قرن من الزمن، لا أن يكون حضوره في نشاطات موسمية. وشدد على الحاجة الملحة للنقد في الأدب العربي «نقد لا يطال قصيدة النثر وحسب، بل الأدب الحديث جميعه. وذكّر العويط بحضور أنسي الحاج في الترجمات الشعرية، وحضوره الغني جداً في الترجمات المسرحية.

كلمة وزير الثقافة روني عريجي ألقاها نيابة ميشال معيكي، مستعيداً الشاعر الرائد في قصائد النثر وفي الحداثة الشعرية العربية. الشاعر الذي «تجاهل بحور الخليل وهواجس التفعيلة.. الشاعر الذي ثوَّر النص الشعري محتوى ومضموناً». الشاعر الذي أشعل مسارح بيروت في السيتينات بمسرحياته المترجمة. وبحسب معيكي كان للحاج في تلك الحقبة كتابات في الناصرية، النكسات العربية في 1967 و1973، وكذلك ثورة الطلاب في فرنسا سنة 1968. كل هذا كتبه الحاج يوم كانت بيروت ساحة الحرية الوحيدة المتاحة في الشرق.

أنسي الحاج «الشاعر الفرد» تناوله أستاذ الأدب العربي والأدب المقارن في الجامعة الأمريكية في بيروت أسعد خير الله. الشعر هاجسه الأول صحيح، لكن خيرالله صنفه بـ»السيد في المقالة والخواطر والسياسة.. هو الذي آلف بين الأضداد في الوليمة، وجابه الموت منذ صرخ أخاف في «لن».. ينشد التفكك والتمزق.. لا يترك مقدساً إلا حطمه… ولا قاعدة إلا وتمرد عليها.. ومن هنا قلة الأبحاث التي دونت هذه الظاهرة».

أنسي الحاج «شاعر التناقضات» بحث مسهب لأستاذة الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية زهيدة درويش جبور. حيال شعره تقف «أمام عالم يتأرجح بين عالمين..

ليحملك إلى ما بعد الجنة والنار.. مثل رامبو وبروتون وآرتو حرّك المياه الراكدة ونأى عن الأفكار المحنطة.. المسافة شاسعة بين بداياته السوريالية، ومرحلة النضج «ماذا صنعت بالذهب، الوليمة وغيرها». أنسي الحاج حيال المرأة وبحسب جبور «يسافر في جسد المرأة.. يتحرر من الخطيئة.. الجسد عنده لباس الروح وليس نقيضها.. يعلن ولادة المرأة الند، بعد أن يلغي المرأة الدمية.. معظم دواوينه مسكون بالمرأة والحزن وشعور اليتم».

أنسي الحاج «النزاع بين الجسد واللغة»، محور تناوله رئيس دائرة اللغة العربية في جامعة البلمند شربل داغر، متوقفاً عند شعره الأول، وقصائده الموزعة في الدوريات اللبنانية، والقسم الثاني الذي ضمه كتابه الأول «لن»، المسافة بين القسمين واضحة للعيان. في القسم الأول كتب كما لو أنه يمسك بيد من سبقوه وعاصروه. وفي قصائد «لن» ابتدأ من تجربة عاطفية عصفت بحياته، وقادته وجودياً وشعرياً، إلى نصب خشبات امتدت بين الوجود والشعر. سطره الأول في «لن» وهو «أخاف» يخفي أكثر مما يذيع… كلمة ليست وجودية وحسب، بل شعرية أيضاً.

هي التي مزّق لها أول مقال كتبته سألت: ماذا بقي من أنسي الحاج بعد غياب الشخص؟ الكاتبة والصحافية جمانة حداد قالت: هناك شعراء لا يتمكن التاريخ أن يتمكن منهم، لأنهم أصحاب علامات تُمرِض وتعدي. منه تبقى لنا علاماته، وأسرد منها سبعاً: الشعر، التمرد، الحب، الحرية، النقاء، الجرح ونعمة الولادات المتتالية.

أنسي الحاج في معراج «التحولات الشعرية» عنوان تناوله أستاذ الأدب العربي في الجامعة اللبنانية الشاعر فوزي يمين، متحدثاً عن أثر ديوان «لن» بمراهقته «ُصدمت، انفتح فمي كمسطول، دفنت وجهي بين دفتي الكتاب، وتمتمت: نجني يا رب». وأضاف: هو لم يغير الشعر العربي وحسب «بل غير حياتي، نظرتي إلى العالم والوجود.. سرّب إليَّ حرية أكبر مني». وأخبره عن حالنا الحاضر قائلاً «العنف أكثر إبداعاً..والموت أكثر مجانية».

وتخلل المهرجان غناء لبعض قصائد أنسي الحاج بصوت السوبرانو هبة قواص. كما قدّم الممثل جهاد الأندري بمرافقة ياسمينة مالك على البيانو قراءات شعرية لعدد من نصوصه. وعرض فيلم وثائقي تضمن شهادات وذكريات معه. ومسك الختام شكر من الشاعرة ندى أنسي الحاج، وإعلان بأن مؤسسة باسمه صارت على قاب قوسين من الإطلاق، بعد إنجاز كافة الخطوات القانونية. فالرجل الذي قال «لم أفعل غير الحب، فإني لا أخطئ ولا أصيب إلا فيه»، يستحق الكثير، وأكثر من الدفق العاطفي والأدبي الذي حضر من أحبة ومندهشين بأفكاره.

22/2/2015







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com