هل كان العقاد يعاني من اضطراب الشخصية الانطوائية؟ - مولود بن زادي



«تسألونني لماذا أؤمن بالعقاد في الشعر الحديث وأؤمن به وحده، وجوابي يسير جدا، لأنني أجد عند العقاد ما لا أجده عند غيره من الشعراء». بهذه الكلمات رد عميد الأدب العربي طه حسين عندما سُئل عن شعر محمود عباس العقاد. لم يكن العقاد بارعا في الشعر فحسب، بل في أصناف أدبية متعددة. كان أديبا وناقدا وفيلسوفا وسياسيّا وصحافيّا ومُؤرِّخا. ويعدّ من أعظم الأدباء العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجا. كتب في عدد من أكبر الصحف والمجلات العربية في عصره، على منوال مجلة «الهلال» التي كانت تجمعه ورئيس تحريرها الأديب طاهر الطناحي علاقة حميمة.

كتاب عنوانه «عني»

في أواخر سنة 1946، اقترح طاهر الطناحي على العقاد كتابة سيرته الذاتية وكان آنذاك يناهز السابعة والخمسين من عمره. سرّ العقاد بالفكرة فرد قائلا، «سأكتب هذا الكتاب وسيكون عنوانه «عني» وسيتناول حياتي الشخصية وحياتي الأدبية والسياسية والاجتماعية». نوى العقاد أن ينشر سيرته الذاتية في كتاب يحمل عنوان «عني» مقسم إلى جزأين: جزء يتناول حياته الشخصية، وآخر حياته السياسية والاجتماعية والأدبية. لكنّ الأقدار شاءت أن يرحل ولم يشرع بعد في كتابة قسمه الثاني. فاجتهد تلميذه وصديقه الطناحي لجمع ما نشره في مجلة «الهلال» وصحف أخرى، وأخرجه إلى الوجود في كتاب بعنوان «أنا». شرع العقاد في كتابة سيرته الذاتية هذه في مطلع العام الموالي 1947 في شكل مقالات متفرقة تناولت جوانب متعددة من حياته، تضمنت مولده ونشأته وتعليمه وعقيدته وفلسفته. ما يلفت انتباهنا في هذا العمل أيضا اعتراف العقاد بميله إلى العزلة والانطواء منذ سنوات الطفولة التي تعرّض فيها لحادث بقيت صوره عالقة في ذهنه إلى آخر عمره. يدعونا ذلك إلى التساؤل عما إذا كان العقاد يعاني من اضطراب الشخصية الانطوائية، أو اضطراب ما بعد الصدمة.

إشكالية «الأنا»

من المسائل الفلسفية التي خاض فيها العقاد «الهوية».. «مَن أنا؟» من الأسئلة المعقدة التي شغلت بال الفلاسفة منذ قديم الزمان. خاض فيها كثيرون عبر العصور أمثال الفيلسوف الإغريقي أرسطو. و»الأنا» لدى العقاد ليست واحدة وإنما مفهوم مركب تجسده صور الإنسان الثلاث. فكل إنسان على وجه الأرض ثلاثة أشخاص في صورة واحدة: الإنسان مثلما صوره الخالق، والإنسان مثلما يراه الناس، والإنسان مثلما يرى نفسه. يتساءل العقاد في مطلع كتاب (أنا) «مَن قال إنني أعرف هؤلاء الأشخاص الثلاثة معرفة تحقيق أو معرفة تقريب؟! من قال إنني أعرف عباس العقاد كما خلقه ?؟ ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما يراه الناس؟ ومن قال إنني أعرف عباس العقاد كما أراه، وأنا لا أراه على حال واحدة كل يوم؟».

في رحلة البحث عن حقيقة الهوية، يغوص العقاد في أغوار نفسه، فتتراءى له في ثلاث صور، بما فيها نظرة البشر إليه، «فعباس العقاد، في رأي بعض الناس ـ مع اختلاف التعبير وحسن النية – هو رجل مفرط الكبرياء.. ورجل مفرط القسوة والجفاء.. ورجل يعيش بين الكتب، ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس.. ورجل يملكه سلطان المنطق والتفكير، ولا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه! ورجل يصبح ويمسي في الجد الصارم، فلا تفتر شفتاه بضحكة واحدة إلا بعد استغفار واغتصاب.. هذا هو عباس العقاد في رأي بعض الناس».

ويخالفهم العقاد الرأي، «نقيض ذلك هو الأقرب إلى الصواب.. نقيض ذلك هو رجل مفرط في التواضع، ورجل مفرط في الرحمة واللين، ورجل لا يعيش بين الكتب إلا لأنه يباشر الحياة؛ رجل لا يفلت لحظة واحدة في ليله ونهاره من سلطان القلب والعاطفة، ورجل وسع شدقاه من الضحك ما يملأ مسرحا من مسارح الفكاهة في روايات شارلي شابلن جميعا، هذا الرجل هو نقيض ذاك».

شخصية ثائرة

ويؤكد العقاد في كتاب «أنا» شخصيته الثائرة على الظلم والاستبداد، «أعلم علم اليقين أنني أمقت الغطرسة على خلق ?؛ ولهذا أحارب كل ديكتاتور بما أستطيع، ولو لم تكن بيني وبينه صلة مكان أو زمان، كما حاربت هتلر ونابليون وآخرين».

كان العقاد معروفا بمواقفه الجريئة، وكيف لا وهو من وقف في وجه أعلى سلطة في البلاد: الملك فؤاد الذي أراد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان. كان وقتئذ عضوا في مجلس النواب، فدعا زملاءه إلى توخي «موقف حازم وواضح من هذا العبث السياسي؛ لأن الأزمة ليست أزمة مجلس الوزراء فحسب، بل هي أزمة مجلس النواب نفسه، بل أزمة الدستور المصري» وذهب العقاد إلى حد تهديد الملك في حال المساس بالدستور. في يوم 15 أكتوبر/تشرين الأوّل من عام 1930، مثل عباس العقاد أمام النيابة للتحقيق ليُحكم عليه لاحقا بالحبس لمدة تسعة أشهر بتهمة «العيب في الذات الملكية».

واستمرت مطالب هذا الرجل وهو خلف قضبان السجن، «فعندما كنتُ في سجن مصر رجوت الطبيب أن يختار لي وقتاً للرياضة غير الوقت الذي تنُصَب فيه آلة الجلد لعقوبة المسجونين. فدُهِش الطبيب، ظن أنه يسمع نادرة من نوادر الأعاجيب.. وقال لي في صراحة: ما كنت أتخيل أن أسمع مثل هذه الطلب من العقاد الجبار» وما زال يتذمر، ملتمسا من محاميه التدخل لتغيير زنزانته، غير مبال بما تتطلبه القضية من إجراءات ووقت. فقد تطلب الأمر اللجوء إلى المحاكم وتدخل وزارة الداخلية لتحقيق هذا الطلب. يقول عن ذلك «كانت زنزانة السجن التي اعتقِلت بها على مقربة من أحواض الماء، شديدة الرطوبة والبرودة، يحيط بها الأسفلت من أسفلها إلى أعلاها، ولا تدخلها الشمس إلا بإشارة من بعيد. فعرض المحامون أمري على المحكمة وحولته المحكمة إلى النيابة، ودرسته النيابة مع وزارة الداخلية ومصلحة السجون، وتقرر بعد البحث الطويل نقلي إلى المستشفى، وإقامتي هناك في غرفة عالية».

شخصية معقدة

وهكذا بعدما كان حبيس زنزانة ضيقة، مغلقة، منعزلة، ها هو اليوم يتحول بأمر من المحكمة إلى غرفة فسيحة، مضاءة، لها نوافذ تطل على العالم من حوله، يلقى فيها كل العناية. يصورها لنا على أنها «غرفة تشرف على ميدان واسع وحديقة فسيحة، وتتصل بالداخلين والخارجين أثناء النهار، ويتردد عليها الأطباء والموكلون بالخدمة الطبية من الصباح إلى الصباح. فرج من ?، وأمنية عسيرة التحقيق تمهدت بعد جهد جهيد!» فهل يرتاح باله ويطمئن خاطره الآن وقد تحقق مطلبه؟ لا يبدو الأمر كذلك. فها هو العقاد يتذمر ويشتكي مجددا من المكان الجديد الذي بلغه بعد جهد جهيد، «فصعدت إلى المستشفى وأنا أعتقد أن الخطر الأكبر قد زال أو هان، لكني لم ألبث هناك ساعة حتى شعرت بأن الزنزانة المغلقة أهون ألف مرة من هذا المكان الذي أصغي فيه إلى أنين المرضى، وشكاية المصابين والموجعين، ثم غالبت نفسي ساعة فساعة، حتى بلغت الطاقة مداها ولما يطلع الفجر من الليلة الأولى، وإذا بي أنهض من سريري وأنادي حارس الليل ليوقظ ضابط السجن ويعود بي إلى الزنزانة من حيث أتيت، ولتفعل النزلة الحنجرية وعواقبها الوخيمة ما بدا لها أن تفعل».

شخصية منطوية

وعانى العقاد أيضا من الانطواء على الذات، وكان حالة دائمة لازمته في أوقات الترح والفرح منذ صغره، وهو ما يعترف به في سيرته إذ يقول، «عذر هؤلاء أنني مطبوع على العزلة والانطواء على النفس في أحسن الأحوال وأسوئها على السواء». وعلى عكس مي زيادة التي أبت أن تعترف بمعاناتها من اضطرابات نفسية، على الرغم من وجود تقارير طبية من إعداد فرق مختصة متعددة، ها هو العقاد يعترف باضطرابه النفسي. ويذهب أبعد من ذلك إلى حد تحليل أسبابه، «ولا حيلة لي في ذلك؛ لأن أسبابه عميقة، يرجع بعضها إلى الوراثة، وبعضها إلى الطفولة الباكرة، وبعضها إلى تجارب الدنيا التي لا تنُسَى. ورثت حب العزلة من كلا الأبوين». ويعترف العقاد بأنّ من أسباب اضطرابه تعرضه لصدمة وهو صبي لم يبلغ بعد سن السابعة، بقيت صورها راسخة في ذهنه لا يعرف الخلاص منها، «وعرض لي حادث دون السابعة من عمري أتمثله الآن كأني حضرته منذ يومين، وهو حادث الوباء الذي كان معروفًا باسم الهيضة، أو الهواء الأصفر في أسوان. أقفرت المدينة شيئاً فشيئاً من سكانها. مات كثيرون منهم ورحل آخرون، وخلا الشارع الذي أقيم فيه؛ فأغلقت الحكومة أبوابه، ولطختها بالعلامة الحمراء التي معناها أن هذا البيت قد زاره الوباء».

جدير بالذكر أنّ الأبحاث العلمية تؤكد تأثير العزلة في الصحة العقلية، فقد أشارت «بي بي سي» البريطانية إلى تجربة أجراها عالم النفس الإكلينيكي إيان روبنز بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية، تم فيها عزل ستة متطوعين لمدة 48 ساعة في غرف عازلة للصوت في مخبأ نووي سابق. فكان من نتائج ذلك تعرض المتطوعين للقلق والعواطف الشديدة والبارانويا وتدهور كبير في وظائفهم العقلية.

وعلى ضوء نتائج الدراسات واعترافات العقاد نفسه بانطوائه، وتعرضه لحادث صدمة في طفولته بقيت صوره راسخة في ذاكرته، وإجماع النقاد على أنه كان «مضطرباً، نافرا، مشاكسا، كثير الأعداء، وكثير التنقل بين التوجهات الفكرية» يبقى السؤال: هل كان العقاد يعاني من اضطراب الشخصية الانطوائية؟ وربما اضطراب ما بعد الصدمة؟

‏كاتب جزائري
عن القدس العربي
2/7/2023








® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com