عودة الى أدب وفن

أفول الدولة وظهور الوباء في فكر ابن خلدون - إيمان الرياحي


كان بعض مفكري العرب قديما يفسرون تفشي الأوبئة عبر تأويلات سحرية وميتافيزيقية، فمنهم من اعتبر سبب ظهور الطاعون مرتبط بما يحصل في الفلك وبحركة الكواكب، التي تفسد الهواء. واعتبر الفقيه العسقلاني في كتابه «بذل الماعون في فضل الطاعون» أن الوباء «وخز من الجن». ومن الناس من يرجعه إلى فساد أخلاق البشر حتى أن السيوطي أنشد مرة معبرا عن حيرته :

أظن الناسَ بالآثامِ باؤوا

فكان جزاؤهم هذا الوباءُ

أآجال الورا متقارباتٌ

بهذا الفصل أم فسد الهواءُ

أم الأفلاك أوجبتِ اتصالًا

به في الناس قد عاث الفناءُ

أم استعدادُ أمزجةٍ جفاها

جميلُ الطبع واختلف الغذاءُ



أما ابن خلدون، فربط ظهور الأوبئة بمعطيات تاريخية وسياسية وديمغرافية. حيث يحدد في الفصل الثالث من المقدمة، العلاقة ممكنة بين سقوط الدولة وتفاقم عدد الموتى بالمجاعات أو بالكوارث والأوبئة. ويتنزل المؤلف في سياق مضطرب من تاريخ تونس، هو القرن الرابع عشر ميلادي الموافق للقرن الثامن الهجري. يختلف هذا السياق التاريخي- بدون أدنى شك – عن واقعنا الراهن الذي تطورت فيه الحياة السياسية، بموجب سن القوانين الوضعية والعهود الدولية، وبفعل ظهور المؤسسات الحديثة وترسخ مبادئ المجتمع المدني. ومع ذلك، تبقى المقدمة مؤلفا أساسيا ومرجعا مهما، لا غنى عنه في دراسة الظواهر الإنسانية والسياسية، وفي تحليل الوقائع الاجتماعية والتاريخية.

نعود اليوم إلى هذا الكتاب في سياق فهم أسباب ظهور الوباء العالمي المستجد كوفيد 19 وفي إطار تأويل الظروف الحافة به، لاسيما وأن الحقبة الزمنية التي عاش فيها ابن خلدون، تميزت بكثرة التغيرات الاقتصادية والسياسية، وبانتشار الطاعون في تونس سنة 749 هجري/ 1348 ميلادي. وقد ظهر هذا الوباء، أول الأمر في آسيا الوسطى، وانتقل عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط إلى بلدان شمال افريقيا مثل، تونس وتلمسان، ووصل لاحقا إلى الأندلس، فحصد أرواح مئات الألوف من سكان المغرب الكبير، وأمات الملايين من سكان آسيا وأوروبا، وأصاب الطاعون أهل المدن أكثر، فنجا أهل المناطق الجبلية والبدوية والصحراوية، وكان الضحايا في المجمل من الحضر.

يذكر العلامة في سيرته الذاتية، أن هذه الجائحة أفسدت كثيرا من محاسن العمران، وأخلت الديار وأن «الطاعون الجارف» قضى على أبويه وعلى المشايخ الذين لقنوه العلم، وسبب له ذلك من الألم والأذى حدا بليغا، وكان عمره حينها سبعة عشرة عاما. لقد تزامن حدوث الطاعون مع فوضى سياسية عارمة في المشرق وفي المغرب حيث كثر الكيد السياسي، وكثرت العصبيات، وتناحرت في ما بينها، وكانت الإمارات تتالىب دون دوام يذكر، ولنذكر هنا أن القرن الثامن هجري مثّل مرحلة سقوط الدولة العباسية، وانحسار مجال المسلمين في الأندلس.

ما يهمنا هنا هو رصد ضرب من الحتمية التاريخية بين التحولات السياسية الكبرى، وظهور الكوارث والجوائح. هذا تحديدا ما بينه ابن خلدون عندما فسّر أن للدولة عمرا طبيعيا تشبه مراحله مراحل عمر الإنسان، وأن لها بداية ونهاية. حيث تكون الدولة في أول تأسيسها متصفة بالعنفوان، ثم تنتهي، في تقدير العلامة، بعد جيل أو جيلين على الأقل، وتكون نهايتها مصحوبة بتفاقم عدد الموتى.

تتميز الإيالة في أول نشأتها بالاعتدال في سلطتها، وفي قرب قيمها من الأخلاق الفطرية لأهل البداوة وتتسم برغبة أفرادها في البناء والتعمير والتطوير، فيتزايد نسلهم ويتضاعف عدد ديارهم وبنيانهم وتحصل لهم آمال غامرة في تحسين ظروفهم، فيتغير نمط عيشهم ويمتد مجال مدنهم، فتكثر الصنائع وتتعدد الحرف وتزدهر الحياة تدريجيا، عبر جيل أو جيلين، حتى تبلغ منتهى الوفرة والنماء والترف، لذلك يقسم شراح المقدمة عمر الدولة عادة إلى خمس مراحل أساسية هي، مرحلة التأسيس ومرحلة الانفراد بالملك ومرحلة الفراغ والدعة، ثم طور الخنوع والمسالمة، وأخيرا طور الإسراف والتبذير. تنحدر الدولة بعد أن تبلغ ذروة ترفها في مسقط المصائب والطواعين المتصلة بكثرة العمران، وما يترتب عليه من اختلال بيئي، حيث يؤدي تلوث الهواء وفساد الجو، إلى اعتلال الجهاز التنفسي، الذي يكون سببا في سقم الجسد، وتعكر المزاج وظهور الوباء. يقول العلامة «وقوع الوباء سببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة… فإن كان الفساد قويا وقع المرض في الرئة، وهذه هي الطواعين وأمراضها مخصوصة بالرئة… وسبب كثرة العفن والرطوبات الفاسدة في هذا كله، كثرة العمران ووفوره آخر الدولة». ويكثر ضحايا الطواعين عادة في الدول الزاخرة بسكان كمصر في المشرق العربي، وفاس في المغرب. لذلك يدعو ابن خلدون إلى ضرورة توفير مساحات فارغة بين البنيان والمدن حتى تحدث تموجات هوائية يكون من شأنها أن تذهب بالهواء المخالط لعفن الديار والحيوانات، وأن تأتي بالنفس الصافي.

تتميز مرحلة أفول الدولة أيضا بتراجع عدد السكان، وارتفاع عدد الموتى وظهور المجاعات الناجمة عن نفاد المخزون الغذائي، فعندما تهرم الدولة يكثر الفساد المالي والجبائي ويظهر الخوارج والثائرون على نظام الحكم البالي، وتزداد الأطماع الخارجية في خيرات الدولة، وتندلع الفتن والحروب، «فيكثر الهجر والقتل ووقوع الوباء». ويستتبع كل ذلك انحسار النشاط الإنساني، فتركد الأعمال وتتراجع الذخيرة الاحتياطية، من كل منتوج ويبلغ الناس أعلى درجات الجوع والفقر والموت. ينذر كل ذلك بهرم الدولة ونهايتها، لأن هذا الهرم، في تقدير ابن خلدون، شبيه بداء مزمن لا علاج له. تتعذر معالجة «أمراض الدولة» لا فقط بسبب فساد السياسيين الحاكمين فيها، بل أساسا بسبب العوائد السيئة التي ترسخت في أهلها. لذلك لا يمكن إصلاح عادات المجتمع دفعة واحدة، وعلى نحو جذري وكلي، فليس الفرد نبيا ليهدي البشر، وإنما يكون إصلاح شيء من السنن المعتادة بكسب تأييد أفراد المجتمع باللين والتدرج.

قد ينذر ظهور الوباء العالمي المستجد كوفيد 19 إذن وفق ما تقدم، بنهاية حقبة تاريخية، تميزت باندلاع الانتفاضات والثورات والحروب وصراع الأيديولوجيات وكثرة الهجرة وتداعي الأنساق السياسية وانخرام المنظومات الديمغرافية والبيئية، والفوضى. ولعلنا اليوم نعبر إلى زمنية جديدة هي مرحلة «الما بعد كورونا» التي تدشن – على الأرجح- تغيرات سياسية مهمة قد تقوى بموجبها دول ويتراجع نفوذ أخرى. المهم الآن هو أن لا نغفل في تخميننا لبوادر مرحلة إنسانية جديدة عن دروس التاريخ، تلك التي دعانا ابن خلدون لتعهدها بالنظر والتحقيق.

عن القدس العربي
17/6/2020






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com