عودة الى أدب وفن

محمد مهدي الجواهري: شاعرٌ بجَّل الشِّعر فبجَّله - نادية هناوي


الشعر بالنسبة للجواهري جمال خالص وهدهدة تجمع الترخيم بالتفخيم، فتحيي السمع بجمال العفوية وترسم الطبيعة لوحة تكوينية تتلمس هموم الناس وأوجاعهم، كأن قائله حامل رسالة وصاحب ضمير واع، ليكون لسان حال المعدمين. وكل هذا نلمسه في شعر الجواهري، ولا سيما شعره الناقد أولئك المقللين من شاعريته، مسترسلا في وصف المعاناة التي يبذلها قائل الشعر، وهو يضخ المعاني الشعرية التي يمزجها بلحمه ودمه ثم يقدمها في طبق من حلي كلامي وجوهر لفظي.

ولأن من أخطر ما يواجه الشاعر الفذ هو قول الشعر المتكلف، الذي يجعل صاحبه يغدو وكأنه مسحول سحلا على وخز الأشواك. يسعى الجواهري إلى السهر على قول الشعر العفوي وقد امتزج بدمه بلا رهق ولا عسف:

يا دجلة الخير: إن الشعر هدهدة للسمع ما بين ترخيم وتنوين
مزمار داود أقوى من نبوته فحوى وأبلغ منها في التضامين
وتتقن الذات الشاعرة دور العارف الناقد، شارحة طبيعة الخاطر الشعري الذي لا يتأتى إلا إذا سهر الشاعر ليله، واستحث أدواته، حتى إذا ما استحال الشعر غضرا ناصعا، استمال قلوب الصبايا واستحث همم الرجال ضد الأعداء الحاسدين والناقمين الذين يشبههم الجواهري بالحيات المرقطة التي تندس في الطين القذر النتن. ولأن المتوالية الإبداعية (الشعر/ النقد) حاضرة في مخيلة الجواهري، يغدو شعره بهوية خاصة ذات سلطة تهيمن على عالم الشعر، فاضحة أولئك المقللين من موهبته الشعرية، واصفا حاله بالصناجة مهونا على نفسه ما تلقاه من جحود الجاحدين وحقد الحاقدين وحسد الحاسدين:

صناجة الأدب الغالي وكم حقب بها المواهب سيمت سوم مغبون
ومنزل السور البتراء لاعنة من لم يكن قبلها يوما بملعون
جوزيت عنها بما أنت الصلي به هذا لعمري عطاء غير ممنون
ماذا سوى مثل ما لاقيت تأمله شم العرانين من جدع العرانين
وجدع العرانين كناية عن العزة والأنفة، التي بها يتباهى الشاعر على أولئك الطاعنين بشعره، الذين استهانوا به وهم يزعمون أنهم ينقدون ويحللون وقد خالفوا وظيفة النقد الحقيقية ومقايسه الصحيحة. والذات في كل هذا مدركة لهويتها الشاعرية، فهي بطلة متفردة وصانعة أحاسيس عفوية، وباثة لخلجات نفسية ونبضات فكرية من دون أي اعتمال، أو تفكر، فاللغة مسخرة لها ومتفاعلة معها، وبسبب هذا الولع بالرد والانتقاد فإن صوت الأنا يتردد كثيرا في قصائده، وصورة البطل الفرد تبرز دائما في أبياته.

ومن الطبيعي أن ينظر الجواهري إلى عمل النقاد نظرة مريبة، ومن ثم تتحول علاقته معهم إلى علاقة خصام وتصارع وتضاد، كونهم يشوهون عمدا أو جهلا مقاييس الأدب ومفاهيمه. ولعل السبب وراء هذه النظرة المزدرية للنقاد، أن النقد الأدبي كان في زمان الجواهري نقدا انطباعيا لا موضوعيا، كونه لم يكن قد استمد بعد أسسه العلمية ومدارسه ونظرياته من الغرب بعد. ولا أدري كيف سيكون حال الجواهري لو كان بيننا اليوم وهو يرى بعض المتناقدين ينالون من معماره الشعري بلا وجه حق، يسوقهم في ذلك حقدهم وحسدهم وعجزهم عن أن يصلوا إلى كعب مركوبه. وها هو يتعجب في قصيدة «الناقدون» من ذلك الذي يدعي النقد وهو ليس بناقد، لأن من يوصف بالناقد ينبغي أن يجمع بين الموضوعية المتمثلة بالقلم السيال والأفكار البعيدة المدى، وهو يقيم الحدود من دون أن يستجدي العطاء، ويصدر الأحكام بلا تملق ولا مهادنة. ويدلي الجواهري برأي يسدي به النصح إلى الناقد وهو يسائله كيف ينقد مبدعا إبداعه خالد وهو في ذلك حاسد حاقد:

أخا القلم الراعف الرافـــــــد ويا لابسا بزة الناقد
ويا فارس الخطرات الحسان في أبق الفكر والأبد
ويا من أقمت عليه الحدود في قاصر منه أو راشد
ويا من تدنيت كالمجتدي ويا من ترفعت كالزاهد
إليك النصيحة من متعب بطب النفوس ومن جاهد
خبير بما أحكمت عقدها على المخبثات يد العاقد
متى رحت تنزع عن مبدع أكاليل ابتداعه الخالد
لتضفر منها بكف النفاق تاجا على فارغ جـــــامد
وتفضح النقمة الجواهرية ذلك الذي يدعي النقد وهو جاهل بأسس الصناعة النقدية وأسرارها، فلا يرى النقد سوى انتقاص وذم أو مدح وثناء، من دون أسس علمية وبلا أدنى معرفة بالنظريات والمنهجيات والاتجاهات. وللجواهري مؤاخذات شعرية على النقاد الذين يتمسكون بالقديم متناسين التطور في الزمان والمكان، طاعنين في الأصل والفرع بلا شاهد أو دليل:

متى رحت تنزل بالملهمين على حكم أنموذج فاسد
تثرثر في الشعراء الضخا م كانوا على الزمن البائد
دليلا على علمك المستفيـ ض فيض الوباء بك الوافد
وتسكت عن علم شاخص لعينيك يشمخ كالقائد
ومخالفة النقد لوظيفته تعني التقصير عن فهم تجربة الشاعر ومدى مقدرته على أداء رسالته تجاه المجتمع. وليس عمل الناقد تصيد السلبيات وحدها، نقصا أو زيادة وحسب، بل هو مطالب بأن يتحلى بالموضوعية والصدق والعلمية والأمانة.. وإلا كان حاله كزارع بذور الشر ليحصدها، داعيا له بالخير بما يشبه الدعاء عليه بالشر على شاكلة المدح بما يشبه الذم:

متى رحت تبحث عن ناقص فإن لم تجده ففي زائد
لتقبر حسن الجمال السوي وتلحده عشت من لاحد
فحياك ربك من زارع خباث البذور ومن حاصد
ولا جف حقدك من حاقد ولله درك من ناقـــــــــد
ومن صور المرجعية النقدية أن الذات تتلبس دورين، فهي شاعرة وناقدة، أي الخصم والقاضي معا، لذلك فإن صوت الناقد فيها لا يمارس دوره إلا والذات الشاعرة قد فرضت سطوتها عليه مهيمنة هيمنة قسرية، وفاعلة فاعلية الزامية، وهذا هو الذي يجعل تلك الذات معتدة بنفسها، كونها عرفت طريق الشعر مبكرا، فكان مطواعا لها بلا منازع:

هكذا كنت وما زاد على العشر نصابي
حبذا الشعر ربيعيا طبيعــــــــي الإهاب
وبسبب موهبة الجواهري الربانية، لم يستعص عليه غرض من أغراض الشعر وصفا أو مديحا، حماسة أو رثاء أو هجاء، وهو العارف بأغراض الشعر، وإن لكل غرض شرائطه في القول وأسسه في التعبير. وقضية الصدق في الشعر من القضايا النقدية التي أثارها الجواهري، وطمح إلى بلوغها، مؤكدا أن التواري والكذب هو أشنع ما يلحق بالشعر، جاعلا الشاعر كالبوم الناعي في الخراب، أو كالغراب الأبيض الذي تنفر منه سائر الطيور:

قد سئمت الشعر ما فيه سوى معنى كذاب
كل يـــوم شاعر كالبوم ينعى في خراب
ولأن الغاية من الصدق الفني في الشعر، الخلود شجاعة ودفاعا عن الحقيقة؛ يظل الشعر لسان حال صاحبه وكاتم سره ونديمه الذي يشاركه مصيره:

أنا يا شعر وإياك سواء في العذاب
أنا مما بك أبكيك وتبكيني لما بي
وحدد الجواهري في قصيدة «أنغام خطوب» قضية أخرى من قضايا النقد الأدبي؛ ألا وهي دوافع القول وموجداته، فأشار إلى الغضب الذي يدفع الشاعر إلى مواجهة الواقع بحزم وصرامة. ويقظة الشعب لا تكون بالقراءة في الدواوين، أو في الكتب بل في غضبة شاعر يقظ حساس. وليس الهدف الذي يرتجيه الجواهري من قول الشعر آنيا أو مرحليا يتعلق بذاته، بل هو غيري هدفه أخروي ورسالته مجتمعية تحمل هموم الآخرين وتتطلع إلى جلائها، كما في قصيدتيه «درس الشباب» و»بلدتي والانقلاب».

وفي ذكرى رحيله الثانية والعشرين نجدد القول إن شاعرية الجواهري أتت عن نبوغ حقيقي في الشعر، صنعته ذائقة حساسة ومرجعية ثاقبة بعكس فهم بعضهم الخاطئ أن الشاعر من نفذت شاعريته ونبضبت فكثر حديثه عن نفسه مقابلات وحوارات وشهادات. وها هو الشعر ينحدر يوما بعد يوم وقد صار جعجعة مكانها الإعلام ومفاخرات الصحافة والعلاقات، ولولا إدراك الجواهري لحقيقة نبوغه في الشعر ما فخر بنفسه ملكا للقوافي تأكل معه وتشرب من إنائه :

أنا الصب الذي ملك القوافي ولم يبلغ سوى عشر زماني
وأن الشعر تشرب من عيوني قوافيه وتأكل من فــــؤادي

* كاتبة عراقية
عن القدس العربي
6/8/2019






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com