كيف يسيطر نمط العيش الإمبريالي على العالم؟ - سلوى دبوق

يقدّم الكتاب الأدلة على أن الرفاهية تأتي على حساب الظروف الحياتية المأساوية للشعوب التي تعيش في مناطق الجنوب، حيث يتدهور وضع الناس وتتأثّر بيئتهم بشكل سلبيّ.



كتاب "نمط العيش الإمبريالي" لأولريش براند وماركوس فسن: دعوة لمواجهة سياسات الهيمنة الغربية وإجراء تحوّل اجتماعيّ بيئيّ نحو نمط عيش تضامنيّ

هل سبق أن فكّرتم أثناء احتساء القهوة كيف وصلت هذه المادة اللذيذة إلى مائدتكم، وكم احتاجت شجرة البن لمياه وأسمدة وعناية زراعية كي تنمو؟ هل تساءلتم يوماً عن عدد الأيدي العاملة التي تخيط الملابس التي ترتدونها، وكم تتطلّب صناعتها من وقت وجهد؟ هل بحثتم عن العناصر الأرضية النادرة التي تدخل في تركيب هاتفكم الذكيّ؟

بالطبع لا! معظم الناس لا يفعلون، لأنهم يعتبرون هذه الأمور تحصيل حاصل ومن حقّهم الطبيعي، فلا يهمّ أين وكيف يتمّ تصنيع المنتجات التي يستخدمونها يومياً، طالما أنها متوفّرة وتؤدّي الدور المطلوب منها. حتى أولئك الذين يهتمون بشكل عميق بتوفير منتجاتهم بشكل أخلاقيّ ليس في وسعهم معرفة الأمور الهيكلية الأوسع لتأمين هذه الاحتياجات.

أما السبب في ذلك فيعود إلى نمط العيش الإمبريالي الذي يتيح للمواطنين في بلاد الشمال وبعض دول الجنوب الحصول على كلّ الرفاهيات والكماليات من سيارات وأجهزة إلكترونية وطعام مستورد من دون أي تفكير بالتكلفة البشرية والبيئية.

يؤكّد العالمان الألمانيان أولريش براند وماركوس فسن في كتابهما "نمط العيش الإمبريالي: استغلال الإنسان والطبيعة في الرأسمالية العالمية" (2021) الصادر أخيراً في ترجمة عربية (مركز دراسات الوحدة العربية ـــ ترجمة بشار الزبيدي)، أن حياة الرخاء والتقدّم في مراكز رأس المال أصبحت ممكنة بفضل السيطرة التي تمارسها الدول الكبرى على البلدان الهامشية، وذلك من خلال قدرتها غير المحدودة على الوصول إلى القوى العاملة الرخيصة والموارد الطبيعية والنظم البيئية في جميع أنحاء العالم.

ويقدّم الباحثان الأدلة على أن هذه الرفاهية تأتي على حساب الظروف الحياتية المأساوية للشعوب التي تعيش في مناطق الجنوب، حيث يتدهور وضع الناس وتتأثّر بيئتهم بشكل سلبيّ، من دون أن يكون لديهم أي سلطة أو تأثير على هذه العمليات التي تتم رغماً عنهم.

منذ البداية، يسعى أولريتش براند وماركوس فسن إلى تسليط الضوء على القوى والآليات التي تدعم أساليب الحياة في الدول المتقدّمة في الشمال وبعض الدول النامية في الجنوب. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القوى غير مرئية بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، وهي تعمل عبر وسائل وطرائق لا يدرك كنهها الكثيرون. فنمط العيش الإمبريالي لا يتعلّق فقط بالاستهلاك، بل بالإنتاج وتنظيم العمل والعلاقات الجندرية والشوفينية.

يشرح الباحثان بأسلوب مبسّط للقرّاء كيف تحافظ الأنظمة الرأسمالية على مستوى معيّن من المعيشة في الشمال، وفي الوقت ذاته تخفي النتائج المدمّرة للبيئة وللبشر التي تنتج عن هذا النمط المكلف من الحياة.

علاوة على ذلك، يؤكّد الباحثان أن النظام الاقتصادي الإمبريالي يعتمد بشكل أساسي على تصدير الأعباء والتكاليف والنتائج الوخيمة لسياساته إلى مناطق أخرى من العالم (تخريج المشكلات والأزمات)، وهو لا يهتمّ بتحسين جودة الحياة على المستوى العالمي.

ويدعو الكاتبان إلى التدخّل السياسي لمواجهة الأزمة البيئية الناشئة عن معايير الإنتاج والاستهلاك في الأنظمة الرأسمالية التي تقوم على الربحية والمنافسة وتلبية حاجات المستهلكين، ويشدّدان على ضرورة الاعتراف بأن استمرار هذه المعايير سيؤدي إلى المزيد من العنف والتدمير البيئي والمعاناة البشرية ومفاقمة قضايا الهجرة واللجوء، إذ يتدفّق سنوياً ملايين المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية سعياً لتأمين مستقبل أفضل لأسرهم.

يعتبر الباحثان أن الشمال قد تجاهل الجنوب وتخلّى عنه بعد الحرب الباردة، مما أدى إلى استمرار الصراعات السياسية والفكرية والثقافية والحروب الدموية في دوله. مع ذلك، استمرت دول الشمال في استغلال الدول النامية من خلال الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي ما زالت تستهلك وتنهب موارد النصف الآخر من العالم بكل وقاحة، وتشغّل القوى العاملة فيه بثمن بخس.

يسلّط الكتاب الضوء كذلك على تناقضات السياسة البيئية، ويشير إلى أنه في التسعينيات من القرن الماضي ساد خطاب عالمي حول «التنمية المستدامة»، وقد تمّ بذل العديد من الجهود الدولية من خلال المؤتمرات واللجان والتقارير والمنظمات للبحث عن حلول للأزمة البيئية. ومع ذلك، قلّلت العديد من الجهات الحكومية من تداعيات هذه الأزمة لأسباب تتعلق بالأيديولوجيا والمال.

ولكن بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، اعتمدت الشركات الكبرى السياسة البيئية كواجهة ليبرالية لإخفاء انتهاكاتها. في الوقت نفسه، تزامنت زيادة الإنتاجية الاقتصادية في دول الجنوب مع ارتفاع انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون والتلوّث بشكل عام. الأمر الذي سمح للشمال العالمي بأن يظهر كبطل حسن النية في قضية «إنقاذ الكوكب»، والحصول على ترخيص سياسي لتأديب منافسيه الناشئين.

ينتقد الكتاب أيضاً رفض الجهات الحكومية الغربية والشركات العالمية تحمّل المسؤولية السياسية عن تدمير البيئة محاولين إلقاء اللائمة على الأفراد المستهلكين من دون القيام بتحليل هيكلي عميق لبنية النظام الرأسمالي.

ويشدّد المؤلفان على أنّ دول الشمال تدّعي أنها تسعى لمصلحة الإنسانية والرفاهية العالمية، ولكنها في الحقيقة تخفي وجود علاقات سلطوية اجتماعية وعرقية وجندرية تؤثر على توزيع الثروة والنفوذ والفرص بين الناس وعلى سلامة البيئة.

أخيراً، يحرص الكاتبان على التأكيد بأن التحوّل الاجتماعي البيئي يتطلّب معارضة فاعلة لجهات اقتصادية وسياسية قوية ليست مهتمة بإحداث أي تغيير جذري نحو عالم أفضل.

ويستند الكتاب إلى منهج الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي لشرح مفهوم الهيمنة التي تفرضها القوى الكبرى على دول العالم وأنظمتها، إضافة إلى السطوة التي تمارسها المؤسسات الدولية التي تخدم مصالح اللاعبين الكبار، مثل صندوق النقد الدولي الذي يفرض الديون الباهظة على الدول النامية.

كما يستعين بنظريات لعالم الاجتماع الشهير بيير بورديو خاصة مفهوم الهابيتوس(Habitus) لتحليل الاختيارات اليومية التي يقوم بها الناس والتصوّرات والأذواق التي تكرّر وتكرّس النمط الإمبريالي للحياة. كذلك يعطي الكاتبان أمثلة على سيطرة نمط العيش الإمبريالي حول العالم كاستهلاك المواد الغذائية المستوردة واللحوم وامتلاك سيارة خاصة والعديد من الأجهزة الإلكترونية وشراء الملابس من علامات تجارية عالمية.

يعتبر المؤلفان أن تطوّر «اقتصاد المعلومات» في الدول الغربية أدى إلى زيادة في استهلاك الموارد الطبيعية مثل النفط، وتفاقم المشاكل البيئية المتعلقة بالحصول على المعادن النادرة وإدارة النفايات الإلكترونية. ويفحص الباحثان كذلك مسألة توسّع الطبقة الوسطى الصينية، ويؤكدان أنه على الرغم من ازدهار الصناعة وارتفاع الاستهلاك في الصين، إلا أن ذلك حدث في إطار نمط حياة إمبرياليّ.

وقد بذل الرئيس الصيني شي جين بينغ، وفق ما يورده الكتاب، جهوداً لتعزيز القوانين البيئية، لكنها غالباً ما كانت تهمل بسبب الروابط الوثيقة بين الشركات الكبرى ومسؤولي الحزب الشيوعي على المستوى المحلي.

ويجب ألّا ننسى أن النمط الإمبريالي يروّج لعلاقة معيّنة بين الدولة والسكان تسمّى «المواطنة من خلال الاستهلاك»، والتي توفّر فرص استهلاك أفضل للشعب مقابل قبول الترتيب السياسي والاقتصادي الحالي.

والجدير بالذكر، أن الصين والهند تواجهان احتياجات متزايدة للطاقة لنموّهما، ومع ذلك (نتيجة للضرورة البيئية والتحرّكات الجيوسياسية) قد تزيدان اعتمادهما على مصادر الطاقة المتجدّدة أو تقلّلان من أثرهما الكربونيّ عندما تقترب اقتصاداتهما من تجاوز الاقتصادات الغربية.

ويصرّ الباحثان على أنّ النهج المبنيّ على الاقتصاد الأخضر أو الرأسمالية الخضراء يقدّم بدائل زائفة عن طريق ادّعاء القدرة على حلّ المشكلات البيئية من دون مساءلة الأسس الأساسية للنظام الاقتصاديّ والاجتماعيّ الحاليّ.

ويوحي الكتاب بأن هذا المنهج ليس كافياً لمواجهة الأزمات الاجتماعية والبيئية الخطيرة لأنه يتجنّب التعامل مع الجوانب الهيكلية العميقة في المجتمعات التي تحافظ على النمط الحياتي الاستعماري وعلى التفاوتات الاجتماعية، خاصة مع توسّع الليبيرالية الجديدة، الأمر الذي يؤدّي إلى المزيد من الصراعات والحروب وندرة الموارد وارتفاع الاحتباس الحراري.

في عالم يزداد فيه التدهور البيئي كلّ يوم وتتعمّق الفروقات الطبقية بين الأغنياء والفقراء، يدعو الباحثان براند وفسن إلى نبذ نمط الحياة الإمبريالي واستبداله بنمط حياة يتسم بالتضامن. لذا يقترحان توسيع المجالات والتحالفات السياسية الدولية التي تسهم في التحرّر الاقتصادي والتوجّه نحو بناء نمط حياة عادل ديمقراطي سلميّ وبيئيّ حقيقيّ. وهذا الأمر يتطلّب الابتعاد عن السياسات الرأسمالية والعنصرية المهيمنة، وإعادة تنظيم المجتمع بشكل يختلف تماماً عمّا هو سائد اليوم.

الحلّ الحقيقيّ لهذا الخلل الكبير وفقاً لفسن وبراند يكْمن في تبنّي حياة تضامنية تحترم كل شكل من أشكال الحياة، وتسعى لخلق أساليب جديدة للعيش، تحافظ على سلامة الأفراد والكائنات الحية. ومن أجل تحقيق ذلك، يجب تحدّي قواعد واستراتيجيات النظام الرأسمالي السائد حالياً والسيطرة على وسائل الإنتاج. كما يتطلّب الخروج من المأزق التخلّي عن بعض أساليب العيش اليومية المدمّرة للبيئة واعتماد «أيديولوجيا الرعاية» التي تحمي الحياة في المجتمع والطبيعة.

ومن بين الأمور التي يقترحانها لتحقيق نمط حياة تضامني، تطوير أنظمة ديمقراطية حقيقية واعتماد سياسة رعاية اجتماعية شاملة، وتقليل ساعات العمل، ومحاربة التمييز الجندري، وتوفير دخل أساسي لجميع المواطنين، وتطوير البنية التحتية الاجتماعية، فرض ضرائب تصاعدية على الثروات، وتفعيل الإنتاج بشكل ديمقراطي ولا مركزي.

باختصار، الكتاب دعوة لرفض نمط الحياة الإمبريالي والكفاح للوصول إلى نمط الحياة التضامني، من خلال الاعتراف بالضعف الجوهري للإنسان والكائنات الحية وتعزيز طرق العيش المشتركة التي لا تهدّد حياة الآخرين ولا تؤذي الطبيعة. كذلك هو دعوة للاعتراف بأهمية العمل الرعائي والسعي لتشكيل الحياة الاجتماعية وفقاً لاحتياجات الإنسان. لكنّ النقطة الأهم هي التحلّي بالشجاعة والإرادة لمواجهة السياسات الإمبريالية الحالية وإجراء تغييرات جذرية تطال عمق النظام الاجتماعي والاقتصادي، هذا إذا كنّا فعلاً نريد بناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة.


عن الميادين
29/6/2023







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com