العظماء (26): عليّ بن أبي طالب الثّائر والعالم والمظلوم (6) - علي هيبي


عليّ وحقوق الإنسان:

مثّلت حقوق الإنسان في رؤية "عليّ" السّياسيّة والاجتماعيّة أساس العقيدة الإسلاميّة، وفي صلبها حرّيّة الإنسان الاساسيّة والمساواة بين البشر، وقد تجمّعت في "عليّ" الكثير من المناقب، أبرزها الشّجاعة والكرم والتّسامح والإنسانيّة والعلم، وقد قال فيه النّبيّ: "عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار"، ومع ذلك تعرّض لكثير من الظّلم ومحاولات التّزوير والتّشويه في شخصيّته ومسيرته التّاريخيّة العظيمة، والّتي ينطق كلّ موقف من مواقفها بالعظمة والمجد المنقطع النّظير. ولعلّ أهمّ سمة من سمات إيمانه بحقوق الإنسان هي اقتران هذا الإيمان بالشّفقة والعطف والزّهد والتّقشّف، فحقوق الإنسان بنظره ثابتة طبيعيّة، وليست مكتسبة من أحد، ولم يمنحها أحد لأحد، ولذلك فالمسّ بها هو ليس مسًّا في الفرد أو الآخر بل هو مسّ بالشّريعة ينطوي على اعتداء على حقوق الله، وهذا المسّ يطال الفطرة الإنسانيّة الّتي خلق الله عليها النّاس. ولأنّه تميّز بسعة علومه ومعارفه وثقافته وخبرته ودرايته وتجاربه من جهة، وببساطة عيش واسترخاص دنيا وميل وجدانيّ إلى الفقراء والمستضعفين والأقلّيّات، فقد بنى على ذلك الكثير من رؤاه الحياتيّة، لقد كان وزيرًا للنّبيّ كمصدر للمعرفة فسمّاه بوّابة مدينة العلم، وقال فيه: "عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى"، وكان يأكل الخبز والزّيت ويلبس لباس العبيد ويفترش الخيش ويجالس الفقراء، كان يفعل ذلك "كي يقتدي الفقير بفقري" كما كان يقول، وقال عنه "ضرار بن ضمرة": (لم أجد تاريخًا لمولده ولا لموته، ولكن تجمع المصادر أنّه لم يعش طويلًا بعد موت الإمام عليّ سنة 661) "كان فينا كأحدنا"، وكان "ضرار" من أشدّ المخلصين لآل البيت وللإمام "عليّ"، عاش في فترة حكم "معاوية" وشهد حقده على "عليّ" وكيف كان يطلب من أئمّة الجوامع أن يطمسوا اسمه ويغيّبوا ذكره وتراثه ومسيرته وإنجازاته وأقواله من أحاديثهم وخطبهم، ومع ذلك بكى "معاوية" بعدما ألحّ على "ضرار" أن يصف الإمام "عليّ" في مجلسه فقال: "أمّا إذ لا بُدّ، فكان والله بعيد المدَى، شديد القوى، يقول فَصلا، ويَحكم عَدلا، يتفَجّرُ العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يَستوحش من الدّنيا وزهرتها، ويستَأنس باللّيل وظلمته. كان والله غزير الدّمعة كثير الفكرة، يُقَلِّب كَفّهُ ويُخاطِبُ نفسه، يُعجبه من اللّباس ما خشن، ومن الطّعام ما جَشُب".

يعتبر "عليّ" برأيي أوّل واضع لوثيقة متكاملة لحقوق الإنسان منذ ما ينيف عن 14 قرنًا، هذه الوثيقة الّتي اجتمع عليها مئات المفكّرين من كلّ دول العالم في العصر الحديث. أمّا حقوق الإنسان الأساسيّة الّتي تحدّث عنها "عليّ" في رسائله ووصاياه وخطبه، وعلى سبيل الإيجاز فهي: حقّ الحياة وحقّ المساواة العادلة والحقوق السّياسيّة وحقّ حرّيّة الرّأي والتّعبير وحقّ المشاركة السّياسيّة وحقّ ضبط الحكّام وحقّ المعارضة السّياسيّة والحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة وحقوق المرأة وحقوق الأسرة وحقوق الطّفولة وحقّ التّعليم وحقّ العمل والتّملّك وحقّ الضّمان الاجتماعيّ وحقوق إنسانيّة، أبرزها حقّ الكرامة الإنسانيّة وحقّ التّقاضي وحقوق الإنسان في زمن الحرب. وهذ تلخيص مستمدّ من كتاب "عليّ بن أبي طاب وحقوق الإنسان" لمؤلّفه د. "حسن الزين" (1928 – 2016) وكتاب آخر يحمل العنوان نفسه تقريبًا لمؤلّفه د. "غسّان السّعد". وفي كتاب بعنوان "عناصر التّفاوض بين عليّ بن أبي طالب وروجر فيشر" يعقد د. "صائب عريقات" (1955 – 2020) في دراسة مقارنة بين رؤية "عليّ" منذ 14 قرنًا ذات ال 15 بندًا وبين رؤية "روجر فيشر" (1922 -2012) في القرن ال 20 ذات ال 7 بنود، فيرى "عريقات" أنّ "عليّ" وَ "فيشر" يتساويان في سبع محاور تتعلّق بعناصر التّفاوض وحقوق الإنسان ويزيد "عليّ" عنه بخمس محاور. ولم تقتصر اهتمامات "عليّ" في هذا الشّأن بتسجيل هذه الحقوق نظريًّا، بل اهتمّ بأن تطبّق في المجتمع، عن طريق إيجاد الوسائل العمليّة لحماية هذه الحقوق، وبخاصّة حقوق الفرد أمام السّلطة، بضمان حقّه بالمعارضة والمساوة والحرّيّة والعلاقة مع غير المسلمين، باختصار حماية الحقوق من ظلم السّلطة ببناء الإدارة السّليمة وإقامة دولة المؤسّسات، للحدّ من صلاحيّات الحكّام بالرّقابة والمساءلة والمحاسبة والعقاب، وحماية الأقلّيّات الدّينيّة والعرقيّة، لقد أقام "عليّ" لو أردنا التّحدّث بمصطلحات العصر الحديث مرتكزًا لحياة ديمقراطيّة تقوم على التّعدّديّة السّياسيّة والثّقافيّة.

ولقد حاول البعض التّشكيك في صدق "عليّ" واقعيًّا وتشويه معتقده، في أنّه حارب معارضيه في كثير من الحروب، ولكنّ الحقيقة المعروفة عنه، أنّه لم يبدأ أحدًا ولا جماعة بقتال في أيّ من حروبه، لا في الجمل ولا في صفّين ولا في النّهروان، في كلّ الحالات فرضت عليه الحروب فكان هدفه الدّفاع عن النّفس ومنع الفتنة بين المسلمين وعن نقاء الإسلام كدين سمح وحنيف ومنفتح وإنسانيّ وفقًا للمفاهيم الفكريّة والرّؤى الإداريّة، والّتي يقف الإنسان فردًا ومجتمعًا ومصالحه في صميمها كما ذكرت في فصول سابقة. وعلى كلّ ما سبق في فضل "عليّ" شواهد تشهد، فقد تعامل بتسامح مع الّذين كفّروه وساوى بين المسلم والذّمّيّ مساواة تامّة ومنع عبادة الشّخص، فالقانون يساوي بين الحاكم والمحكوم، ولذلك رفض أن ينحني أمامه وفد من نصارى الأنبار تبجيلًا وإجلالًا له، جاءوا للتشاور معه في شؤونهم وأوضاعهم.

عليّ بين العرب وغير العرب:

في سنة (2002) وفي التّقرير السنويّ للهيئة الدّوليّة أطلق "كوفي عنان" (1938 – 2018) الأمين العامّ السّابع لهيئة الأمم المتّحدة لفترتين متتاليتيْن، من حوالي 10 سنوات (1997 – 2006) وهو سياسيّ أفريقيّ من غانا، أطلق لقب "حكيم الشّرق" على الخليفة العظيم "عليّ بن أبي طالب"، ورأى فيه شخصيّة مميّزة ورمزًا للعدالة الإنسانيّة والاجتماعيّة ونموذجًا لاحترام حقوق الإنسان. وضمن حديثه ذكر "عنان" قول "عليّ بن أبي طالب" لعامله مالك الأشتر فقال: "يا مالك إنّ النّاس إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق"، وفي تعليقه على هذه العبارة قال "عنان" عنها: "يجب أن تعلَّق على كلّ المنظّمات، وهي عبارة يجب أن تنشدها البشرية"، وبعد أشهر اقترح "عنان" أن تكون هناك مداولة قانونيّة حول كتاب "عليّ" إلى "مالك الأشتر"، في اللّجنة القانونيّة في الأمم المتّحدة، بعد دراسات طويلة للكتاب، وقد مرّت عليه مراحل ثم رُشِّح للتّصويت، وصوّتت عليه الدّول بأنّه أحد مصادر التّشريع الدّوليّ. وقد أعلنت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة قرارها التّاريخي الّذي نصّ على ما يلي: "يعتبر خليفة المسلمين عليّ بن أبي طالب أعدل حاكم ظهر في تاريخ البشر"، وقد استندت هذه الخلاصة الأمميّة إلى وثائق من 160 صفحة، نشرت باللّغة الإنجليزيّة في معظم دول العالم.

إنّهما صنفان: "إمّا أخ لك في الدّين، أو نظير لك في الخلق"، ولعلّ هذه النّظرة الإنسانيّة الشّاملة والكامنة في قول "عليّ" تأتي تأكيدًا لمنهج الإسلام الإنسانيّ السّمح والحنيف، كما أراد له حامل دعوته ورسالته أن يكون، فقد قال: "الخلق عيال الله، وأحبّهم إلى الله أحبّهم إلى خلقه"، وتأتي كذلك داعمة لمقولة الخليفة "عمر"، مؤسّس الدّولة الحقيقيّ الّتي وجّهها لواليه على مصر "عمرو بن العاصّ" عندما استغل ابنه مكانة أبيه واعتدى على مواطن مصريّ قبطيّ مستضعف، فقال له: "يا ابْن العاص! متى استعبدتم النّاس؟ وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا"، وعلى نهج "عمر" الإنسانيّ والعادل والقويم كان عليه "عليّ" يرغب ويريد أن يمضي، وما كان لحاكم غير "عليّ" أن يقوم بهذا المقام أو ينهج هذا النّهج. ولنا في "عثمان" نموذج لتحطيم النّموذج الفذّ.

هذا هو الإسلام الحقيقيّ الأصيل، وليس إسلام ملوك الدّولة الأمويّة الظّالمة قديمًا، وهي الدّولة الّتي قامت على التّلفيق والتّزوير وعدم احترام العهود والاغتيالات وقطع الرّؤوس وسياسة "فرّق تسد" والاستئثار وتراكم الثّروات والابتعاد عن جوهر الدّين الأصيل. وليس إسلام "الإخوان المسلمين" والحركات الأصوليّة المتذيّلة والمتساوقة مع برامج الإمبرياليّة وخططها وهيمنها، هذه الحركات الّتي شوّهت أصالة الدّين وإنسانيّته بالتّقوقع والقتل والجري وراء الحكم على بحر من الدّماء والهدم ونهب الثّروات الوطنيّة وتدمير الأقطار القوميّة.

صنفان نعم، لا أكثر من ذلك ولا أقلّ، بدأها "عليّ" بأخ في الدّين، قالها "عليّ" في زمن كثرت فيه الخلافات والاختلافات، وظهرت فيه الفتن وحملت السّيوف بوجهه، وأدخلته حروبًا مع أبناء جلدته من المسلمين، حاول أن يتفاداها، ولكنّها حصلت رغمًا عن كلّ محاولاته الإنسانيّة في إيقافها، فمقولته العظيمة هذه لم تظهر في زمن الإسلام الموحّد بل جاءت في زمن الإسلام ذي المذاهب والأفكار والطّوائف، ورغم ذلك يؤمن "عليّ بحقّ الاختلاف كحقّ أساسيّ من حقوق الإنسان، فهو يسمّيهم رغم خلافهم معه واختلافهم الواضح لمنهجه وأفكاره ومعتقداته إخوة في الدّين، لأنّه نظرته الثّاقبة والشّاملة والعميقة هي نظرة الحكيم الّذي يرى العامّ دون الخاصّ، وهو يعطي لكلّ إنسان حقّه في الاختيار، حيث "لا إكراه في الدّين"، فلا خطاب طائفيّ محرّض، ولا عداء مسبق، ولا سمّ يتخلخل بين الكلمات. وفي الصّنف الثّاني اهتمّ بغير المسلمين، كلّهم على حدّ سواء، فهو ينظر لهم بشرًا أحرارًا، لهم كرامتهم، وحقّهم في العيش، ولهم أيضًا كما للمسلمين حقّ الاختيار، واضعًا بذرة الإنسانيّة في الأرض الجرداء، عسى أن تنمو لتظلّل المجتمع الإنسانيّ كلّه والحياة الإنسانية.

وقد تكلّم "عليّ" بكلام واضح، يشير فيه إلى المساواة في الحقوق بين "أهل الذّمّة" وبين المسلمين، يقول: "دماؤهم كدمائنا"، و"دم الذّمّيّ كدم المسلم حرام". إنّ الواقع الّذي كان قائمًا عبر التّاريخ يظهر أنّهم كانوا يتمتّعون بامتيازات اقتصاديّة وغير اقتصاديّة، ويعترفون بأنّ عبارة "ذمّيّ" ترجمت إلى الفرنسية عبر العبارة كانت تعني صاحب الضّمير والشّرف، ولم يحمل المصطلح "أهل الذّمّة" أية إهانة لهم. حتّى مع من كفّروه تعامل وفقًا لمبدأ حقوق الإنسان في المعارضة الدّيمقراطيّة، فقد تعامل "عليّ" مع التّكفير بطريقة إنسانيّة ومثاليّة وحضاريّة، لأنّه خاضع لأحكام الشّريعة الإسلاميّة، إذ رأى أنّهم "طلّاب حقّ ضلّوا". وقد نهى في وصيّته: "لا تحاربوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه". ومع أنّه كان الخليفة الحاكم وكان "الخوارج" من رعاياه، لكنّه لم يسجنهم ولم يقطع نصيبهم من العطاء من بيت مال المسلمين، وذلك لاعتبار أنّ إعطاءهم لحقوقهم هو أمر أساسيّ من أسس حقوق الإنسان في الدّولة.

سُئل "الخليل بن أحمد" (718 – 786) عن أمير المؤمنين الإمام "علي بن أبي طالب" فقال: ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حسدًا، وأخفاها محبّوه خوفًا، وظهر من بين ذيْن وذيْن ما ملأ الخافقيْن"! هذا هو الرّجل العظيم "عليّ" مجّدته الأمم المتّحدة وحظي باحترام معظم الأمم كم شاهدنا في تقرير "كوفي عنان"، وبعد هذا التّكريم لحياة "عليّ" وشخصيّته وخلاصاته الفكريّة في الإدارة السّليمة وفي تفصيل الحقوق والواجبات للفرد والسّلطة، أليس من العار على جبين الأمّة العربيّة والإسلاميّة أن تتجاهل مثل هذا العملاق العظيم، وتبحث عن وجوه مقنّعة في قيادات العالم الغربيّ والأوروبيّ لتمجّدهم كأبطال لا يملكون إلّا النّزر اليسير من العمل الإنسانيّ المزيّف لتصنع منهم روّادًا وعظماء، أين اعتزازنا بتاريخنا وتمجيدنا بحضارتنا! وإذا كانت الحضارة اليونانيّة تفخر على عالم العصر الحاضر بشرائع "صولون" الحكيم (640 ق.م – 560 ق.م) وكان التّاريخ الإنجليزيّ يباهي حضارة اليوم بوثيقة "الماغنا كارتا" (بالعربيّة الوثيقة العظمى، صدرت سنة 1215) والثّورة الفرنسيّة تزهو بين تاريخ الثّورات بإعلان حقوق الإنسان، فحسب الحضارة العالميّة والعربيّة والإسلاميّة اليوم أن تزهو فخرًا وتختال مجدًا بأنّها قدّمت للأجيال المتعاقبة منذ أربعة عشر قرنًا أرقى المبادئ وأعدلها وبأنّ منها هذا العظيم الخالد أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب".

عليّ العالم المثقّف:

هناك من يقول أنّ العلم جزء من الثّقافة فقط، ومفهوم المثقّف أرحب وأشمل من مفهوم المتعلّم أو العالم، فالعالم أو المتعلّم قد يدرس علمًا واحدًا أو أكثر وقد يتخصّص العالم بنوع من العلوم، أمّا المثقّف فإنّه يلمّ بكلّ علوم عصره ومعارفه، وهذا المفهوم للمثقّف يجعله قريبًا لمفهوم الجاحظ (775 – 868) حول الأديب، إذ رأى أنّ الأديب هو من يأخذ من كلّ علم بطرف، أي يأخذ من كلّ العلوم بقسط يفي لغرض الثّقافة العامّة والمعرفة الشّاملة لمعارف العصر الّذي يعيش فيه الأديب أو المثقّف بالمصطلح الحديث. ومن هذا المنظور فإنّ "عليّ" ينطبق عليه هذا المدلول للمثقّف أو الأديب وبشكل عميق، حيث كان عارفًا بكلّ علوم عصره، ومتّصفًا بأسمى الصّفات الرّوحيّة الطّاهرة والمزايا الخلقيّة الرّفيعة، ومحبًّا للخير لمجتمعه وناسه في الدّولة الإسلاميّة، ومحافظًا على عقيدته وإيمانه، ومؤمنًا بدينه إيمانًا منفتحًا إنسانيًّا أمميًّا، كلّ النّاس عنده كأسنان المشط. وهو إلى جانب ذلك حمل لقب "الإمام" ليس لحسن عقيدته ودينه ولحسن إدارته كحاكم، بل لرحابة درايته ومعارفه في الكثير من مجالات العلوم. وحمل كذلك لقب "بوّابة العلم"، وهذا اللّقب يكفي للدّلالة على "عليّ" الإمام العالم، الّذي كان يقول: "سلوني سلوني في كتاب الله! فوالله لا تخفى عليّ آية نزلت في وادٍ أم في جبل"، ولِيستحقّ الإمام العالم هذه الصّفة برأي "عليّ" عليه أن يكون قدوة لغيره، وقد قال في ذلك: "من نصّب نفسه للنّاس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه". ومع سعة اطّلاعه وثقافته وكثرة معارفه، يرى "عليّ" أنّ: "كلمة لا أدري نصف العلم"، بمعنى أنّ رغم ما تحصّله من المعرفة يبقى الكثير المجهول منها، وهي دعوة صريحة من "عليّ" للعلماء أن يجدّوا في البحث لاكتساب المزيد، فالمعرفة الحقيقيّة هي الّتي يشقى الإنسان في البحث عنها ويتعب في تحصيلها. وقد حذّر العلماء من الكِبر والخيلاء بسعة علومهم، ولم يحصر البحث عن المعرفة بالعلماء، بل هي مهمّة إنسانيّة شاملة، فقد أوصى النّاس عامّة والعلماء خاصّة بقوله: "أكثر من مجالسة العلماء ومناقشة الحكماء والصَق بأهل الورع والصّدق ثمّ رضّهم على ألّا يطروك بباطل لم تفعله، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزّهو وتُدني العزّة". ولعلّ الإمام "عليّ" من أشدّ الأسس عنده هو ارتباط العلم والمعرفة والثّقافة بالاستقامة والصّدق والكرامة الذّاتيّة للعالم كإنسان حرّ مستقلّ، ولا يسعى لتحصيل المعارف من أجل مآرب سياسيّة أو دنيويّة أيًّا كانت، فالمهمّة هي العلم وتحصيل المعرفة والغاية هي سعادة الإنسان وليس إرضاء السّلطان. ولذلك قد يكون "عليّ" قد أشار أو لمّح إلى ضرورة التّواصل بين السّلطة والمثقّفين، ولكنّه اشترط هذا التّواصل والعلاقة باحتفاظ كلّ من الطّرفين بكيانه واستقلاله، وضرورة ضمان السّلطة لحرّيّة المثقّف وكرامته وأمنه، ولا تسعى لتجنيده لمآرب سياساتها ولأهداف إرساء أركان حكمها ولاستصغارٍ لغايات المعرفة الإنسانيّة السّامية، ولا بدّ ورغم ضرورة التّواصل بينهما من مساحة للاستقلاليّة بين السّياسيّ والثّقافيّ، لضرورة الحفاظ على طهارة الثّقافة وطهارة الحكم، من أجل علاقة سليمة ومكاشفة سويّة وصريحة بينهما، تؤدّي إلى علاقات شفّافة وإلى إرساء أسس حياة ديمقراطيّة وبناء مجتمع متساوٍ وديمقراطيّ، تسوده الحرّيّة والعدالة.

وكم للإمام "عليّ" من أقوال عن إيمانه بسعة العلم والسّعي لاكتسابه، حيث قال: "لا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل ولا ميراث كالأدب"، وكأنّي بالإمام يقرن في كثير من أقواله المعبّرة عن صدق رؤيته بين العلم والأدب بمعنييْه: المعنى الجماليّ الفنّيّ والمعنى الأخلاقيّ السّلوكيّ، وقد أوصى نابذًا العصبيّة والتّعصّب بكلّ أشكاله ومعانيه وداعيًا لعصبيّة من طراز جديد: "إن كان لا بدّ من العصبيّة فتعصّبوا لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال". وكان من مزايا الحاكم الصّالح عنده أنّ يسعى لتحصيل العلم ولا ينتظر العلم باستجلاب العلماء إلى قصره، وكأنّي به يؤمن بصورة قاطعة "بأنّ العلم يؤتى ولا يأتي"، وشتّان ما بين الشّبعيْن عندما قال "عليّ": "اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال"، فالأوًل يسعى لاكتساب المعرفة له ولغيره ولأهداف نفيسة ونبيلة وسامية وخالدة، والثّاني يسعى لتحصيل المال له فقط، ولمآرب رخيصة ودنيويّة ومادّيّة وفانية، ولذلك كانت له مقولة عظيمة المعنى وعميقة الأثر للحثّ على السّعي من أجل العلم، وذلك بتفضيله العلماء على الملوك، فقال: "إذا رأيت العلماء على باب الملوك فقل بئس العلماء وبئس الملوك، وإذا رأيت الملوك على باب العلماء فقل نعم الملوك ونعم العلماء"، ولقد آمن لسعة في رؤيته ولعمق في معرفته بأنّ "كلّ وعاء يضيق بما جُعل فيه إلّا وعاء العلم فإنّه يتّسع".

اكتسب "عليّ" علوم الإمامة أو العلوم اللّازمة لبناء الدّولة الدّينيّة والعلوم الدّنيويّة اللّازمة لإدارة شؤون الدّولة من النّاحية العمليّة، وقد تحقّق له ذلك من خلال اتّصاله بكلّ المذاهب والفِرق الإسلاميّة الّتي كثرت في هذه الفترة من الاضطرابات الدّينيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة ونتيجة لتباين الآراء والمواقف من موضوع الحكم والخلافة وازدياد الفجوات بين الأغنياء والفقراء، وخلط المفاهيم، ولقد كان "عليّ" متّصلًا ومعلّمًا لكلّ الفِرق، وله علاقاته مع علماء الكلام، فقد جادل الخوارج ومعاوية والرّوافض وغيرهم من الّذين لا يرون رأيه ولا يقفون موقفه، وتداول مع علماء الفقه والشّريعة في كثير من القضايا وبرع في هذا المجال، حتّى كان وزيرًا للنّبيّ ومستشارًا للخلفاء الثّلاثة الّذين سبقوه، وللخليفة "عمر" كان المستشار الأوّل، لذلك كان "عمر" عندما يواجه عقبة كأداء يقول: "ولا أبو الحسن لها"، وله باع مع علماء اللّغة والبلاغة، ويقال أنّ "عليّ" هو من حفّز "أبو الأسود الدّؤليّ" (16 ق.م – 68 ه) على وضع علم النّحو، بعد أن اعتنق الإسلام أقوام من غير العرب فانتشرت ظاهرة اللّحن، جاءه "الدّؤليّ" مستشيرًا له في الأمر، فيروى أنّ "عليّ" قال له بعد أن اقتنع بحجّته: "أنحُ هذا النّحو". وله الكثير من الأقوال الّتي تبيّن معرفته بالنّقد وحسّه بفنّ الجمال والتّمييز بين الأساليب التّعبيريّة، ولعلّ ما جُمع من خطب ووصايا ورسائل وأقوال في كتاب "نهج البلاغة" يكفي للتّدليل على قدرة "عليّ" على التّعبير وبلاغة الأداء وجودة الصّياغة وصدق المعاني، والتّمييز بين أساليب الإنشاء الفنّيّ. لقد كان "عليّ" عالمًا بكلّ العلوم في عصره، كعلم الجفر وعلم التّنجيم لاستطلاع المستقبل والغيب، وكذلك اضطرّه علم الفقه إلى اكتساب خبرة بعلوم الحساب لما له من علاقة في المسائل الشّرعيّة الّتي تتعلّق بالميراث. (يتبع)

عن الاتحاد
24/6/2022







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com