خلاصة أدبيات وتعاليم أخلاقية في منتخبات كونفوشيوس (221-475 ق.م.) - د. منير توما


إنَّ المنتخبات التي سنتطرق إليها هنا هي للفيلسوف الصيني المشهور الذي عاش قبل الميلاد الذي ألّف مجموعة من الأقوال الحكيمة التي قدّم فيها مبادئ أخلاقية بغية تنظيم العلاقات الخمس للحياة – العلاقات بين الأمير ورعاياه، الوالدين وأولادهما، الأخ وأخيه، الزوج وزوجته، الصديق وصديقه – وهذا الارشاد الذي وضعه كونفوشيوس قد إتُبَعَ لآلاف السنين في الماضي وعلى مدى العصور.

إنَّ كلمة «مُنتخبات» تعني جزء أو مُسْتَخْلَص من الأدب، أو مجموعة من التعاليم والوصايا. وفي حالة كونفوشيوس، فإنها تعود لمناقشة أو استبدال لفظي وكلامي للمبادئ المعنوية والأخلاقية. وقد أخذت «مُنتخبات كونفوشيوس» شكل تعاليم وأفكار كونفوشوسية، الى جانب من حوارات جزئية بين الفيلسوف ومُريديهِ.

لقد كان كونفوشيوس (479-551 ق.م.) فيلسوفًا وسياسيًا نشأ وترعرع في الطبقة العليا الأرستوقراطية وقضى سنوات عديدة في تأليف أقوال حكيمة لإرشاد الأفراد في حياتهم اليومية، وفقًا للمبادئ الأخلاقية.

لقد أُلِّفَتْ وكُتِبَتْ «المُنتخبات» مِن قِبَل أتباع كونفوشيوس في فترة الدول المتحاربة (221-475 قبل الميلاد) حيث تُعْتَبَرُ هذهِ المنتخبات مِن بين الأكثر من أعمال كونفوشيوس تمثيلًا لفكره ِ، وهي لا تزال تُؤثِّر في الثقافة الصينية وشرق آسيا.

إنّ الكثير من العلماء والمفكرين يعتقدون بأنّ هذهِ المُنتخبات قد تمَّ تنقيحها الى صورتها النهائية خلال سُلالة هان الوسطى الحاكمة (م220-206 ق.م.) لتصبح نصًّا مركزيًا للثقافة الصينية. وبكونها تُعْتَبَر كعمل تأسيسي في التربية الصينية لألفي سنة تقريبًا، فإنّ «المُنتَخَبات» استمرت أن تكون مُسْتَخدَمة رسميًا في امتحانات الخدمة المدنية لغاية السنوات المبكرة للقرن العشرين، ومع أنّ «المُنتخبات» قد هوجِمَت في ظل الثورة الثقافية في الستينيات، فإنّها استمرت في تشكيل وصياغة الفضيلة وأفكار ملايين الصينيين، مؤيدين وداعمين الفضائل المركزية للياقة والذوق، العدل ـ النزاهة، وطاعة الأبناء للوالدين.

إنّ أحد المصطلحات أو المفاهيم المفتاحية الكونفوشوسية هو (الرين)، الذي يتمثّل في مجموعة قِيَم أخلاقية تتضمن اللطف والشفقة، النزعة الى عمل الخير، الإنسانية، الإيثار والطيبة. إنّ «المُنتخبات» تُعَلِّم كيف يتم رعاية وممارسة (الرين) في الكلام، العمل والفِكر، وبالتالي، فإنَّ الاحتشام، الاستنكار الذاتي أي نكران الذات، التواضع، والانضباط الذاتي، كلّها جديرة أن تكون فضائل أساسية وحيوية التي تنبع من المعادِل أو المكافئ الصيني للقاعدة الذهبية للكتاب المقدس (التوراة) والتي جاء فيها : «لا تفعل للآخرين ما لا تحب أن يفعلوه لك».

إنّ «المُنتخبات» تستخدم المصطلح «جونزي» كوصف لشخص مثالي الأخلاق ويتمتع بالتأهيل والقدرة، بينما المصطلح «داو» هو تعليم، مهارة، أو فن الذي هو مفتاح لبعض ميادين العمل. «زهونچ» يشير الى الولاء، «زِن» يمثِّل المُعتمدية أي كون الشيء جديرًا بالثقة والإعتماد ؛ «جنغ» تمثل الاحترام والانتباه والمجاملة ؛ «زياو» تعني طاعة الشخص لكبار السن ؛ «يونغ» هي الشجاعة والبسالة.

إنَّ المُنتخبات قد زودتنا بالإرشاد في التعامل مع الآخرين في كل جانب من حياة الفرد، بما فيهِ من الوعي الذاتي : «لا تتخذ صديقًا ليس مساويًا لك في المنزلة».

إنّ السِمَة المميزة لتعاليم كونفوشيوس كانت التأكيد على التربية، الدراسة والمعرفة. «عندما تعرف شيئًا، لتحتفظ بأنك تعرفه ؛ وعندما لا تعرف شيئًا، فلْتُسَلِّمْ بأنك لا تعرفه – هذهِ هي المعرفة.»

إنَّ «المُنتَخَبات» هي واحدة من أربعة نصوص كونفوشوسية التي تُعرف بالأربعة كُتب، وقد كانت أحد الأعمال الأكثر انتشارًا في الصين على مدار الألفيتين السابقتين من حيث دراستها والبحث فيها، ومن هنا فإنَّ مجموعتها المؤتلفة من الحكمة، الفلسفة والأخلاقية الاجتماعية ما زالت مستمرة في التأثير على الثقافة والقيم الصينية الى هذا اليوم.

عن الاتحاد

1/9/2020







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com