عودة الى أدب وفن

صهريج الماء في رواية «رجال في الشمس»:
بين الواقع والخيال الإبداعي لدى غسان كنفاني
- سليمان الشّيخ



إن جدلية تمازج الواقع بالخيال، هي من أسس إبداع وابتداع أعمال فنية لدى أغلب الكتاب المبدعين، فلا التسجيل الجاف للواقع، ولا الخيال المجنح يمكن أن يخلق كل بمفرده عملا فنيا إبداعيا، يؤمل أن يكون له شأن في عالم الكتابة والأدب. إن تضافر وتمازج الركنان: الواقع والخيال يغني العمل الكتابي، ويمكن له أن يصل إلى الإبداع والتميز والتفرد، إذا ما استعمل الكاتب أسلوبه في تظفيرهما معا بذكاء وباستيعاب فني خلاق لمفردات الفن الذي يصب الكاتب عمله فيه.

وغسان كنفاني المبدع الفلسطيني الخلاق، هو من سعى إلى مزج الواقع بالخيال المبدع الذي أنتج أعمالا بقيت خالدة على مر الزمن، حيث ذكر في حديث مطول مع كاتب سويسري متخصص في أعماله، نشر في مجلة «شؤون فلسطينية» وفي كتاب «غسان كنفاني إنسانا وأديبا ومناضلا» جاء فيه: «عندما استعرض مجمل القصص التي كتبتها عن فلسطين حتى الآن، يتبين لي أن كل قصة ترتبط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وبخيط دقيق أو متين بتجاربي الشخصية في الحياة. غير أن أسلوبي الكتابي تطور وأصبحت قصصي لا تتناول الفرد الفلسطيني ومشاكله فحسب، بل تتناول حالة إنسانية لإنسان يقاسي من المشاكل إياها».

أضاف: «ولكن ربما كانت تلك المشاكل أكثر تبلورا في حياة الفلسطينيين». وذكر في مقطع آخر: كان للحياة التي عشتها نفسها التأثير الأكبر على كتاباتي، أي أن الواقع وما أشاهده، وتجارب أصدقائي وعائلتي وإخوتي وتلامذتي، والتعايش في المخيمات الفلسطينية مع الفقر والبؤس، لقد استوحيت كافة أبطال رواياتي من الواقع الذي كان يصدمني بقوة، وليس من الخيال».

رجال في الشمس

لو أردنا تطبيق الكلام السابق على رواية «رجال في الشمس» الصادرة في بيروت في العام 1963، وبحثنا عن مصادر إلهامها وكتابتها، فإننا نجد صدقية في ما رواه غسان عن مصادر إبداعه، منها أن ما ذكره بلال الحسن عن واقعة الجثث، التي وجدوها بالقرب من أحد مكبات النفايات في الكويت. وما أخذت تؤثره رواية غسان في الخيال العملي لدى بعض الفلسطينيين، كالفلسطيني الذي كان يستعمل صهريجه في القدس، لنقل بعض الفلسطينيين من القرى والبلدات المحيطة بالقدس إليها، للعمل أو للعودة إلى بعض القرى الفلسطينية في الداخل المحتل.

أما بالنسبة للمصدر الأول الذي رواه بلال الحسن، فهو من أقرب الأصدقاء والزملاء الذين شاركوا وعملوا معه في محطات ثلاثة مهمة من حياتهما، فهو زميله وصديقه منذ أيام الصبا والشباب في دمشق، حيث بدأ غسان مشواره الكتابي الذي أخذ يتميز فيه. وترافقا معا للعمل في الكويت، وهي المحطة الثانية في تعاونهما واقترابهما مع بعضهما بعضا، حيث أخذ غسان يرسخ ويزيد من إبداعاته والتنويع فيها. أما المحطة الثالثة فهي في بيروت، اعتبارا من العام 1960، عندما عملا معا في مجلة الحرية التي كانت ناطقة باسم حركة القوميين العرب آنذاك.

فيما يتعلق بالمحطة الثانية والتي عمل فيها غسان بالكويت منذ العام 1955 حتى العام 1960، فإنه وجد خبرا منشورا في الصحف أطلق شرارات إبداعه في كتابة رواية «رجال في الشمس». والواقعة كما رواها صديقه بلال الحسن بحسب ما تم نشره في «جريدة السفير» بتاريخ 11/7/1997 ما يلي: نشرت الصحف حادثة العثور على جثث عدد من العمال عند مكب نفايات مدينة الكويت، وقيل أنهم ماتوا داخل خزان سيارة نقلتهم ليعبروا الحدود تهريبا، واختنقوا داخل الخزان. أضاف بلال أن هذه الحادثة شغلت غسان عن روايته التي كان يكتبها في نهاية خمسينات القرن الماضي، وبدأ يكتب رواية جديدة أطلقت شهرته هي رواية «رجال في الشمس» وكانت رواية عن التشرد الفلسطيني، وعن العذاب الفلسطيني، عبر الحدود العربية وعن الموت الفاجع».

أما ما أطلقته رواية «رجال في الشمس» من تأثيرات في الخيال الإبداعي وغير الإبداعي، فإن نصر جميل شعث الشاعر والكاتب الفلسطيني من غزة الذي أصبح مهاجرا في بلاد الغربة، فقد روى في صحيفة الحياة بتاريخ 13/2/2009 نقلا عن «وكالة معا» الفلسطينية للأنباء، الواقعة التالية تحت عنوان: «غسان كنفاني عائدا في صهريج الفلسطينيين المهربين»، جاء فيها ذكر واقعة منقولة نقلا شبه حرفي عن حادثة نقل أبو الخيزران لثلاثة من الفلسطينيين المهربين من البصرة إلى الكويت بواسطة صهريج ماء فارغ، والنهاية الفاجعة التي انتهت بموت الثلاثة والذي صاح على إثرها أبو الخيزران: لماذا لم تدقوا جدران الخزان.. لماذا.. لماذا.. لماذا؟.

أما نهاية الشخصيات التي أوردها نصر في بداية مقاله، والذين كان يهربهم «أبو خيزران آخر» إلى القدس، فإنهم نجوا، لكن تم اعتقالهم من قبل القوات الصهيونية. والواقعة أن 25 فلسطينيا كانوا داخل صهريج تم إحداث فتحة في أسفله، ليتم اكتشاف صنيعه. حتى ليمكن القول إن البحث عن طريق للعودة أصبح هاجسا وكابوسا حياتيا، احتل ويحتل مفاصل حياة الفلسطيني، إن كان قريبا أو بعيدا عن فلسطين. على أن حادثة موت الثلاثي «أبو قيس وأسعد ومروان» في رواية «رجال في الشمس» كان لها في الحقيقة أصل حوّله الخيال الإبداعي لدى غسان إلى وقائع تدين التوجه المغلوط، للركض وراء سراب العودة عن طريق ملتو إلى فلسطين.

لقد أدان في الرواية البحث الخاطئ إلى طريق العودة. هكذا فإن كان غسان قد تأثر بحادثة الموت الفاجع في صهريج الماء، فإنه وجد من استوحى وقائع ما رواه غسان في روايته، وتأثر به ذلك المقدسي الذي كان يهرب الفلسطينيين ويعيدهم إلى قدسهم وقراهم في الداخل المحتل.

أما ما ترويه أجهزة الإعلام والحكايات عن ابتداع مئات أساليب التهريب السري والعلني لآلاف المعذبين والمطرودين من أراضيهم في هذا البلد أو ذاك، وأولهم من الفلسطينيين، فإن الحاجة هي أم الاختراع لآلاف الأساليب، ولكل أسلوبه في الاختراع، بعضهم يفلت ويصل وبعضهم تطويه موجات البحر العاتية، ويصبح نهشا للأسماك، أو يصل إلى الشواطئ جثة هامدة.

* كاتب فلسطيني

عن القدس العربي
7/7/2015







® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com