عتبة الغلاف في قصة لكع بن لكع للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي - سناء جمال ابو صالح



لن تتناول هذه المداخلة أي أمر من قضايا القصة، عدا عن غلافيّ الكتاب، الأمامي والخلفي. ولا بدّ لي هنا من شكر أستاذي الفاضل الكريم الدكتور نادر القاسم من جامعة النجاح في نابلس. فقد أكد على أهمية عتبات كل نص يتناوله القارئ. فعليه ليس فقط قراءة النص والتمتع به والانسجام في مكنوناته، بل هناك قراءة أخرى موازية للعنوان والغلاف وحتى أسماء الشخصيات. فجميع هذه الأمور تسبر خفايا أراد لنا المؤلف الراوي الغوص في ثناياها.

أصدر الروائي إميل حبيبي رواية لكع بن لكع سنة 1980، في ثلاث طبعات، فالأولى كانت في شباط في براغ، تشيكوسلوفاكيا السابقة، والثانية كانت في بيروت عن دار الفارابي للنشر في الصيف والثالثة التي نحن بصددها من منشورات دار 30 آذار في الناصرة في تشرين الأول من ذات السنة. هذه إشارة إلى أنّ الرواية أخذت في الانتشار الواسع في ذات السنة مما حدا بالمؤلف إلى طباعتها ثلاث مرات في السنة. وقد صدرت كل طبعة بصورة غلاف مختلفة. أما صورة غلاف هذه الطبعة فقد جاءت بريشة الفنان والأستاذ الفلسطيني كريم دباح والذي يعدّ أحد أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني. وهذا أيضا خيرُ دليل على أن الرواية لاقت الاستحسان والشهرة لدى القارئ في الداخل الفلسطيني وخارجه. قدمت هذه المسرحية في دمشق سنة 1982، من إخراج وليد القوتلي، وكتب موسيقاها وأغانيها بشار زرقان والذي شارك فيها بالتمثيل.

إميل حبيبي هو أديب، صحفي وسياسي فلسطيني، ولد في حيفا في 29 آب 1921، إلا أنه انتقل للسكن في الناصرة سنة 1956 حتى وفاته. تفرغ للعمل السياسي في إطار الحزب الشيوعي الفلسطيني سنة 1943 وكان من مؤسسي عصبة التحرر الوطني في فلسطين عام 1945.

بعد قيام دولة إسرائيل نشط في إعادة الوحدة للشيوعيين في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان أحد ممثليه في البرلمان الإسرائيلي بين السنوات 1952 و1972. ثمّ استقال من منصبه البرلماني للتفرغ للعمل الأدبي والصحافي.

فقد عمل حبيبي مذيعا في إذاعة القدس (1942-1943)، محررًا في أسبوعية المهماز (1946) كما ترأس تحرير الجريدة اليومية "الاتحاد"، بين 1972-1989.

في حقل الأدب، نشر حبيبي عمله الأول "سداسية الأيام الستة" عام 1968 وبعده تتابعت الأعمال "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل" (1974)، "لكع بن لكع" (1980)، "إخطيه" (1985) وأخيرًا، "خرافية سرايا بنت الغول" (1991). وقد جعلت تلك الاعمال القليلة صاحبها أحد أهم المبدعين العرب وذلك لأسلوبه الجديد والمتميز في الكتابة الأدبية.

إثر انهيار المنظومة الاشتراكية عام 1989، أعاد النظر في بعض المسلمات النظرية مما سبب له خلافات فكرية وتنظيمية مع الحزب الشيوعي، اضطر على ضوئها إلى الاستقالة من جميع مناصبه الحزبية بما فيها رئاسة تحرير "الاتحاد"، لكنه بقي عضوا في الحزب (الذي كان عضوا فيه منذ جيل 14 عاما) حتى عام 1991 حين قدم استقالته من الحزب.

في عام 1990 اهدته منظمة التحرير الفلسطينية "وسام القدس" وهو أرفع وسام فلسطيني. تم اختياره في نفس العام 1991 بوصفه الكاتب الأهم في العالم العربي من قبل مجلة "المجلة" الصادرة في لندن. في عام 1992 منحته إسرائيل "جائزة إسرائيل في الأدب" وهي أرفع جائزة أدبية تمنحها الدولة.

في العام الأخير من حياته انشغل بإصدار مجلة أدبية أسماها "مشارف"، رحل اميل حبيبي في أيار 1996 وأوصى ان تكتب على قبره هذه الكلمات: "باق في حيفا".

حكاية مسرحية لكع بن لكع:

كما ورد أعلاه فهذه القصة نُشِرت ثلاث مرات في ذات السنة 1980، وكل نشرة طُبِعت في مكان مختلف بغلاف مختلف. فالأول تبدو فيه صورة إميل حبيبي مع اسمه على رأس الصفحة كما ونجد اسم القصة الثلاثي بالخط العريض تحت صورة الكاتب أي حكاية مسرحية: لكع بن لكع: ثلاث جلسات أمام صندوق العجب. وقد صدرت هذه النشرة عن منظمة التحرير الفلسطينية.

أما الغلاف الثاني فيحتوي على رسمة ضائعة المعالم، هناك رأسان متقابلان يختفيان وراء منديل، وفيما بينهما تبدو ملامح امرأة وكأن شيئًا يلتهمها، أحد الرأسين يقبع بين يدي أحدهما وكأنه يعطيه دفعةً للنظر داخل المنديل. أما اسم المؤلف فعلى رأس الصفحة في منتصفها. واسم الرواية يبدو هنا حكاية مسرحية: لكع بن لكع.

أما الغلاف الثالث فهو الذي جاء من تصميم الفنان التشكيلي الفلسطيني كريم دباح الذي عمل محاضرًا للفنون التشكيلية في عدد من الجامعات الفلسطينية، وأسس جمعية ناجي العلي للفنون عام 1988. وهذا هو الغلاف الذي سنخوض غماره في الورقة البحثية هذه.

المكون الكلامي:

في الصفحة الأولى نجد العنوان "لُكعْ بن لُكعْ" في أعلى الصفحة، وفي أسفل الصفحة نجد اسم المؤلف إميل حبيبي. وفي صفحة داخلية نجد العنوان الثانوي ينتصف الصفحة " ثلاث جلسات أمام صندوق العجب" ومن تحتها "حكاية مسرحية". أما اسم المؤلف فعلى راس الصفحة. من هنا نفهم أنّ الكاتب بهدف تقديم حكاية لمسرحية، فهي لم تصل للمَسرحة والتمثيل بعد. يقدم الحكاية التي لم تنتهِ بعد. كما وأن الاسم الغريب يشير للحديث النبوي الشريف الصحيح كما رواه الترمذي: "لا تقوم الساعة حتى يليَ أمور الناس لُكعْ بن لُكعْ". وهناك قراءة أخرى للحديث: "لا تذهب الدنيا حتى تصيرُ للكعٍ بنِ لكعٍ". فهذا الشخص سيدخل حياة البشر في مرحلة أخيرة من حياتهم. فلكع بن لكع هو الانسان اللئيم بن اللئيم حسبما ورد في التراث. فالخبث متأصل ومتوارث في هذه الشخصية. فكما نقول بالعامية للكذاب "كذاب بن كذاب" للتأكيد يقول الحديث هذا لشديد اللؤم والخبث. وهو من لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق. وهو العبد الخسيس.. والعنوان عبارة عن مبتدأ من غير خبر، مما يزيد من حيرة القارئ أمام هذه الشخصية الغامضة الغريبة الهجينة.

المكون الزماني:

بما أن عتبة العنوان عبارة عن تناص مع الحديث النبوي الشريف، كان لا بد من الرجوع إلى وقائع ورود هذا الحديث الصحيح، لكي نفهم مدلوله. فقد أشار إليه إميل حبيبي في تناص عبقري يرجع بالقارئ إلى الموروث الديني، وفي هذا الأمر تأكيد على فداحة الحكاية التي يقدمها الكاتب. فهذه الحكاية تلجأ للدين للتأكيد على صحة ما يرد في الحكاية من أهوال حياتية غرائبية، ويربطها مع ما تنبأ به الرسول من أحداث مستقبلية. وقد أكد هذا الحديث الترمذي في سننه في أبواب الفتن.، وأشار إلى أنه حديث مسند حسن.[1]

وفي قراءة أخرى للحديث: "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يَكونَ أسعدَ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعُ ابنُ لُكَعٍ" وهنا "يُبيِّن النبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أنَّه في آخِرِ الزَّمانِ وقبلَ قِيامِ القيامةِ يَسودُ مَن ليس بأهلٍ للقِيادةِ والحُكمِ؛ فيَكونُ هو الممكَّنَ في الأرضِ السَّعيدَ فيها، وهذا مِن تبَدُّلِ الأحوالِ وتَغيُّرِها إلى الفسادِ والشَّرِّ؛ فيقولُ: "لا تقومُ السَّاعةُ"، أي: يومَ القيامةِ لن يَأتيَ "حتَّى يكونَ أسعَدَ النَّاسِ بالدُّنيا"، أي: يكونَ أكثرَ النَّاسِ سَعادةً ومالًا، وأطيبَهم عَيشًا، وأرفَعَهم مَنصِبًا، وأنفَذَهم حُكمًا، فهؤلاء الأربعُ جِماعُ الدُّنيا، "لُكَعُ ابنُ لُكعَ"، أي: لَئيمٌ ابنُ لئيمٍ، والمعنى: مَن لا يُعرَفُ له أصلٌ، ولا يُحمَدُ له خُلُقٌ، فهو وصفٌ يُطلَقُ على الحُمقِ والذَّمِّ، وقيل: إذا نُودي به الكبيرُ، فتَعْني الصَّغيرَ في العِلمِ والعقلِ. وفي الحديثِ: إخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بما سيَحدُثُ بعدُ في آخِرِ الزَّمانِ، وهو مِن دَلائلِ نُبوَّتِه. وفيه: انقلابُ الأحوالِ في آخِرِ الزَّمان".[2]

المكون الصوتي:

يشير كتاب "المقاييس في اللغة" لابن فارس بن زكريا إلى أن الجذر ل.ك.ع. هي أصل يدل على لؤم ودناءة، وللدنيء يقال لُكع واللَكَع هو الوسخ. أما كتاب "العين" لابن أحمد فيشير إلى أن اللكع هو اللئيم من الرجال، وهو العبد أيضًا. والملكعان هو ذاته المرقعان. وفي مقاربة الجذر ل.ك.ع. مع ر.ق.ع. نرى أن الرَّقيع هو الأحمق الذي يتفرق عليه أمره ورأيه. وفي العامية نقول فلان لِكِع أو رِقِع بمعنى سخيف، سمج أو تافه. وفي مضارعة أخرى للحرف بالحرف نجد أن الجذر ل.ك.ع. قريب من الجذر ل.ك.ء. و ل.ط.ع. فالتلكّؤ والتلكّع والتلطّع تشيران إلى لزوم المكان والتباطؤ وقد نصل إلى التسكّع. والتي تصل بمجملها إلى معاني الذي يتفرق عليه أمره ورأيه كما أشار الخليل بن أحمد. وفي عودة للمقاييس إلى الجذر ل.ق.ع.، أي مضارعة للكاف مع القاف فالأصل يدل على رمي شيء بشيء، ولقعه بالحصاة إذا رماه بها. وهنا نقترب من المفردة العامية لَكَعَهُ بمعنى ضربه أو ألقاه أرضًا.

من خلال مضارعة الحرف بالأحرف نجد أنّ سّوْق هذه المفردات يشير إلى مكنون سلبي للمفردة في مجمل سياقاتها. وهذا ما رمى إليه الكاتب من خلال إعطاء هذه العتبة التناصية للغلاف. فالقصة أو الرواية هنا تقدم لشخصية سلبية ما زال الزمان يأكل منها ويشرب.

المكون الفني:

في لوحة الغلاف الخارجي الصورة مظللة الى حد التشويه، ومضللة الى حد ضياع معالم اللوحة. فالقارئ بحاجة إلى تركيز وافٍ لفهم دقائق الرسوم الموجودة في اللوحة. للوهلة الأولى، يظن الرائي انه امام لوحة المسيح مصلوبا... الا ان التمحيص في تلك الشخصية يبرز شخصًا بائسًا كئيبًا حزينا.. يقطر الدم من جميع سماته، ولا يعرف الرائي إن كان ما يقطر دما، دمعا أو عرقًا. في هذه اللوحة نرى المكون الإنساني واللاإنساني في آن واحد.

والمصلوب مرفوع الرأس يغزو الزجاجُ والشوكُ رأسَه، إلا أنّ جسمه متهدلا نحيفًا من على الخشبة، يبدو للناظر صف أضلاعه مترسة في جنبيه. والمسامير مغروزة في كفيه. والدم يقطر منهما. وتدلى من رقبة الرجل كوفية فلسطينية تروح للوراء على شماله. وفي يمين الرجل هناك طعنةٌ تقطر دمًا... وهذا خير دليل على أن هذه الشخصية ترمز للإنسان الفلسطيني المنهك في حياته وفي مماته... ففي صلبه انبعاث آخر، انبعاث ضائع في سحنة هذا الشخص المذهول الشارد في قضاياه ومعايشه. أما خشبة الصليب فتقتصر على شكل T، نراها منقوصة القسمِ العلوي. والمصلوب لا يعتمر إكليل الشوك، بل نرى الأسافين وهلالا مقلوبا يرتسم على جبهته.

وعن يمينه نرى المرأة الفلسطينية قابعةً قانعة؛ الجدة أو الأم تغزو ملامحُ الوجوم والشقاء وجهَها، تلبس زيًا فلسطينيًا... تبدو الحمائمُ البيضاء واضحة للعيان في ثنايا تطريزاته. وتلف شعرها البادية أطرافه بمنديل يميز نساء الداخل وخاصة الجليل... وعند أسفل هذه الرسمة نرى اسمَ الكاتب إميل حبيبي مذيلا.

وإذا أمعنا النظر عن شمال الرجل المصلوب نرى الشيطان ذي القرنين والأنياب الأربعة مستلاً خنجرا باتجاهه. ويبدو برأس خنزير وجسم قرد. وجدير بالذكر أن جميع هذه الرسومات مؤطرة بالفاتح والغامق بحيث تشبه نسيج الكوفية الفلسطينية. اللون غير محدد هنا مع ان الفنان استعمل تنقيط وتخطيط اللون الأزرق. وهناك فجوتان خاليتان من أي تنقيط أو تخطيط، أهي انفراجة أمل في اللوحة، أم هي غيمة أو سحابة تشير إلى غمامة عابرة كانت أو قارة؟

المصادر:

أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا. معجم المقاييس في اللغة. ت. شهاب الدين أبو عمرو. دار الفكر للطباعة والنشر. 1994.
حبيبي، إميل. لكع بن لكع. مطبعة 30 آذار الناصرة: إسرائيل. 1980.
الخليل بن أحمد الفراهيدي. كتاب العين. ت. مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. دار ومكتبة الهلال.
الترمذي، أبو عيسى، محمد بن عيسى. الجامع الكبير: سنن الترمذي. ت: بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي: بيروت. 1996.
https://dorar.net/hadith/sharh/36107
www.noor-book.com/t4uajz
[1] سنن الترمذي، حديث رقم 2209، ج4 ص70.
[2] من موقع الدرر السنية حسب سنن الترمذي، ص2209. https://dorar.net/hadith/sharh/36107
عن الاتحاد
1/9/2023






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com