رومانسيات بيتهوفن: إلى إليز وسوناتا ضوء القمر - مروة صلاح متولي



من أشهر مؤلفات بيتهوفن الرومانسية، مقطوعة «إلى إليز» ومقطوعة «سوناتا ضوء القمر» حيث ترتبطان بالجانب العاطفي لدى الموسيقار العظيم، صاحب العبقرية الفنية، التي تصل إلى مستوى الإعجاز. على الرغم من بعض الغموض، الذي يحيط بالمقطوعتين، والتضارب في الحكايات حولهما، وأسباب تأليفهما، والإهداء إلى امرأة بعينها، وهوية تلك المرأة، فقد تم اعتبارهما من المقطوعات، التي تعبر عن مشاعر ولحظات خاصة في حياة بيتهوفن، التي تشير إلى الحب المفقود، الذي سعى إليه طويلاً، وحاول الوصول إليه أكثر من مرة، لكنه كان يصطدم دائماً بالقدر، وبتقاليد المجتمع وشروطه الطبقية، بالإضافة إلى تأثير مرضه وكآبته، وعزلته التي جنح إليها، وآثر الابتعاد عن الناس، ليخفي علله وآلامه قدر ما يستطيع، فهو بيتهوفن الشامخ رغم كل شيء، الذي يسمو بقوة إرادته وصلابة عزيمته، فوق الصعاب الغالبة والمشاق الجسيمة، بل يواجه المستحيل ويصارع الأقدار. من يستمع إلى بيتهوفن من خلال سيمفونياته الخالدة، بما فيها من القوة والعظمة، ودقة البناء الصارم تماماً، قد يظن أن هذا الموسيقار، لم يكن يأسى ويتألم كالبشر العاديين، الذين تعصف بهم عاطفة الحب، وتعبث بهم رياح الغرام، وأنه لم يكن يحتاج إلى الحب، لأنه أكبر وأعظم من كل هذه الأمور، وأنه كان منشغلاً بمعاني الحرية والإنسانية، وتسلط الأقدار على البشر، بالإضافة إلى تأملاته في الطبيعة. وإذا تناول الحب في بعض أعماله، فإنه يتناوله وقد أبقى على مسافة ما، بينه وبين ذلك الحب، الذي يكون موضوعاً فنياً، كأي موضوع فني آخر، هكذا يظن المرء أحياناً، ويرى بيتهوفن من خلال هذا المنظار، وهو تصور غير سليم بطبيعة الحال، إذ نجد في بعض مؤلفاته الموسيقية، وعلى رأسها «إلى إليز» و»سوناتا ضوء القمر» صوتاً مختلفاً، وبوحاً من نوع آخر، ونصغي إلى تعبيرات نغمية، نابعة من أحاسيسه العميقة في لحظات معينة، عاشها وحيداً منفرداً، وجلس خلال تلك اللحظات إلى البيانو يبثه أسراره.

المعاناة العاطفية

كما امتلأت حياة بيتهوفن، بالمآسي القدرية والعائلية والصحية، فإنها في الوقت نفسه، شهدت قدراً لا بأس به من المآسي العاطفية. والمعروف أن بيتهوفن ذاق العذاب صغيراً، على يد الأب السكير، غير المسؤول، الذي لم يكن يعمل، ودفع زوجته إلى العمل والشقاء، من أجل أن توفر احتياجات الأسرة، وتفي بمتطلباتها. وكان هذا الأب يحبس بيتهوفن منذ طفولته، ويجبره بقسوة على ساعات طويلة من العزف، والتدرب الشاق، لأنه كان يرغب في أن يحول هذا الطفل الصغير، إلى مصدر للدخل والثروة، وكان يحلم بأن يصنع منه موزار آخر، حين كان موزار هو المثل الأسمى، وأحدث المعجزات في ذلك الوقت. على هذا النحو البائس، سارت طفولة بيتهوفن، ثم أصيب بفقد أمه الحنون، التي كانت بمثابة الصديق الوحيد له، عندما كان في سن السابعة عشرة، ويمكن القول إنه ظل وحيداً إلى الأبد، بعد موت أمه. وفي الثلاثينيات من العمر، بدأ بيتهوفن يواجه شبح الصمم، ذلك الشبح المخيف الذي يهدده بفقدان حاسة السمع، والطريق الذي كان يسير فيه تدريجياً، نحو هذا المصير المرعب. وكم تمنى بيتهوفن أن يصيبه القدر في أي شيء آخر، أو أن ينتزع منه أي حاسة أخرى، سوى حاسة السمع، وهو الموسيقار الذي لا يستطيع أن يعيش ويحيا دون الموسيقى، فلم تكن آلام معدته على الرغم من صعوبتها، تؤرقه وتحطم نفسه وأعصابه، مثلما فعل الصمم ومقدماته. وكم عانى من الخجل والخوف، وتوارى عن أعينهم خشية انكشاف أمره، وكان يتظاهر بسماع الأوركسترا، وهي تتدرب على عزف أعماله، وإذا تحدث إليه أحد، كان يعطي الانطباع بأن عدم رده وانتباهه، إنما يعود إلى شرود ذهنه، لا إلى الصمم. عرف بيتهوفن الحب للمرة الأولى في حياته، عندما كان في السابعة عشرة من عمره، ولم يكتمل هذا الحب/ كما لم يكتمل أي حب آخر عاشه بعد ذلك، وكان الحب الأخير في منتصف الثلاثينيات تقريباً، ولا شك في أن توديع هذا الحب كان صعباً، وكان توديعاً للحب بشكل عام، بعده تفرغ بيتهوفن لسنوات طويلة من الوحدة، وصنوف الألم وألوان العذاب، إلى أن فارق الحياة سنة 1827.

مع البيانو

البيانو هو البطل الرئيسي، الذي يجمع بين مقطوعتي «إلى إليز» و»سوناتا ضوء القمر» والمعروف أن بيتهوفن الذي عاش في الفترة، من سنة 1770 حتى سنة 1827، يؤرخ له عادة بأنه ينتمي إلى الحقبة الكلاسيكية، والحقبة الرومانتيكية في الموسيقى. رغم أنه لم يعاصر الحقبة الرومانتيكية سوى بضع سنوات قليلة فقط، وقضى معظم عمره في ظلال الحقبة الكلاسيكية، التي كان هو سيدها بلا شك، وتحديداً فن السيمفونية، الذي لا يستطيع أن ينازعه فيه أحد، أو أن يقف إلى جواره على قمة هذا الفن. ولبيتهوفن الفضل الكبير كذلك على الحقبة الرومانتيكية، ويعتبر ممن ساهموا في خلقها، حتى إن بعض أعماله، التي ألفها في خضم الحقبة الكلاسيكية، يعد تمهيداً للرومانتيكية، ونوعاً من أنواع التبشير بالمذهب الفني، الذي سيأتي خلفاً للكلاسيكية. ومن هذه الأعمال مقطوعة «إلى إليز» التي تم تأليفها سنة 1801، أي في سنوات ازدهار الحقبة الكلاسيكية. يعتمد بيتهوفن في كل من المقطوعتين على البيانو، وكما أن لهاتين القطعتين شهرتهما العارمة، وحضورهما الدائم في كل زمان ومكان، ووصولهما المتجدد إلى آذان المستمعين، لهما أيضاً بالإضافة إلى مكانتهما الرفيعة، في عالم الموسيقى بشكل عام، مكانتهما في عالم البيانو وفنون العزف عليه خصوصاً، والغريب أنهما موجودتان في أول دروس المبتدئين، وفي ريبريتوار أهم وأعتى العازفين.

يعبر بيتهوفن عن الكثير من المشاعر العاطفية، وينفذ الكثير من الأفكار الفنية، من خلال آلة موسيقية واحدة فقط، هي البيانو، لذا تجيء الموسيقى مكثفة بشدة، ونشعر بأنها تقول الكثير رغم قصر المدة الزمنية، والصوت المنفرد، والتكوين الموسيقي الذي قد يبدو للبعض بسيطاً، في حين أنه ليس كذلك على الإطلاق، بل هو يجسد مظهراً من مظاهر عبقرية بيتهوفن، في التأليف للبيانو، والقدرة على الارتجال، والبناء والتطور النغمي. بالطبع إذا قورنت مثل هذه الأعمال، من مؤلفات البيانو القصيرة، بالأعمال الكبرى والسيمفونيات الطويلة، قد يبدو الأمر كما لو أن بيتهوفن في مؤلفات البيانو، كان يقوم بنزهة موسيقية لطيفة، لم يتكبد فيها ما لاقاه من معاناة، في تأليف سيمفونياته الجبارة. كما تمثل مؤلفات البيانو، لحظات الصفاء والاستماع إلى صوت القلب والمشاعر. ومن الناحية التقنية، تبدو كتدريبات وتجارب فنية، يكون فيها بيتهوفن أكثر انطلاقاً وتحرراً، من قيود القوالب الموسيقية، أو ربما يعيد اكتشاف هذه القوالب، ويحاول الدمج بينها. في مقطوعة «إلى إليز» جعل بيتهوفن من الإهداء عنواناً للمقطوعة، وإن كان هناك من يقول إنه، أهداها إلى تيريز وليس إلى إليز، وأن ثمة تحريف للاسم قد حدث، لكن الثابت أنه قام بإهداء هذه المقطوعة إلى امرأة ما، هي على الأرجح واحدة من الفتيات اللواتي وقع في غرامهن، وسعى إلى الزواج بهن، لكنه لم يتمكن من ذلك. كان بيتهوفن يدرّس البيانو، للفتيات من الطبقة الأرستقراطية، لذا نجد أن أغلب من أحبهن، كن من هؤلاء الفتيات، ولا نعرف إذا كان وجد من تبادله الحب حقاً، وتتشبث به حتى النهاية ورغم كل شيء، وتتقبل مرضه وكآبته، وغرابة طبعه كعبقري فذ، أم أن الأمر لم يتجاوز إعجاب الفتاة الشابة بالفنان، والتعلق المؤقت بعاشق من العشاق، فهناك من تركته وذهبت لتتزوج أحد أصدقائه، وهناك من تركته لتتزوج من ينتمي إلى طبقتها الاجتماعية. وعلى الأرجح أن العلاقة الأخيرة في حياة بيتهوفن، كانت هي العلاقة الأكثر جدية، والأقرب إلى الحب الحقيقي، بعدها لم يحب بيتهوفن مرة أخرى، واستسلم لمصيره، وظل عازباً إلى الأبد. ونلاحظ أنه على الرغم من اختلاط بيتهوفن، بالطبقات الأرستقراطية، والتبجيل الشديد الذي كانت تبديه هذه الطبقات، نحو الموسيقى والموسيقيين، والعناية بهم وحسن رعايتهم مادياً ومعنوياً، إلا أن أمور الزواج، والاقتران بأشخاص من طبقات اجتماعية مغايرة، كان لها شأن آخر، وقواعد أخرى حاكمة، ولم يكن من السهل تحطيمها أو تجاوزها، تلك القواعد كانت السبب، وراء فشل بعض قصص الحب في حياة بيتهوفن.

أقصر المؤلفات

يستغرق عزف مقطوعة «إلى إليز» أربع دقائق تقريباً، وهي من أقصر مؤلفات بيتهوفن، أما قالبها الموسيقي فهو الباغاتيل، ويوصف بالروندو أيضاً، ويغلب عليها الطابع الارتجالي. تتألف هذه المقطوعة من جملة موسيقية، تتكرر لأربع مرات، ثم تعزف للمرة الخامسة بتنويع جديد، وتتخذ المقطوعة الشكل الدائري، إذ تعود الموسيقى من حيث بدأت، إلى أن تنتهي ببضع نغمات بطيئة. وتعرف مقطوعة «إلى إليز» بأنها الباغاتيل رقم 25، ولم يتم اكتشافها إلا بعد وفاة بيتهوفن بأربعين سنة. أما «سوناتا ضوء القمر» أو سوناتا البيانو رقم 14، فتحمل عنواناً لم يطلقه بيتهوفن عليها، ولم يعرف عنه شيئاً، إذ تم إطلاق هذا العنوان بعد سنوات من وفاته. لكن العنوان الذي اختاره هو في حياته، فكان «سوناتا أشبه بالفانتازيا» أو «سوناتا أقرب إلى الفانتازيا» والسوناتا قالب موسيقي معروف، وكذلك الفانتازيا قالب من القوالب الموسيقية. هكذا حدد بيتهوفن من خلال العنوان، التجربة الموسيقية البديعة التي يقوم بها في هذه المقطوعة، حيث الدمج بين قالبين موسيقيين، والعمل على خلق الحوار أو التداخل بينهما، ومحو الحدود القاطعة التي تفصلهما عن بعضهما، والارتجال من سمات هذا العمل أيضاً.

أما سبب ارتباط «سوناتا ضوء القمر» بالرومانسية، والجانب العاطفي عند بيتهوفن، فهذا ما سيكتشفه السامع على الفور، عندما يصغي إلى النغمات الأولى من السوناتا، ويعود ذلك إلى طبيعة الموسيقى نفسها، التي تواجه السامع منذ اللحظات الأولى، بخفقات شعورية عميقة للغاية، ويعود الأمر أيضاً إلى قيام بيتهوفن، بإهداء هذه المقطوعة إلى جولييتا غويكياردي، التي أحبها في فترة ما من حياته، وكالعادة سعى إلى الاقتران بها، لكن القدر كان له بالمرصاد، ولم يمكنه من الزواج. وكان عليه أن يتجرع ألم الحب ووجع الفراق، ومرارة الوحدة، وأن يتفرغ لمعاناته ويخوض في شقائه وحيداً، وأن يدفع غالياً ثمن العبقرية. يستغرق عزف «سوناتا ضوء القمر» 15 دقيقة تقريباً، وتتكون من ثلاث حركات، الحركة الأولى بطيئة، الحركة الثانية معتدلة السرعة، الحركة الثالثة سريعة. هذه السوناتا قد تكون محيرة إلى حد ما، فمن يستمع إلى الحركة الأولى منها، يشعر بأنها قطعة رومانسية خالصة، وأنها ألفت من أجل الحبيبة فحسب، ويشعر أيضاً بأن عنوان «ضوء القمر» الذي أطلقته مجموعة من المختصين بعد وفاة بيتهوفن، هو العنوان المناسب تماماً لهذه القطعة الموسيقية، التي توحي بالسكون في أعماق الليل، والتفكير في الحبيبة التي تنبعث صورة وجهها مع ضوء القمر الرهيف. ومن يستمع إلى الحركتين الثانية والثالثة، يشعر بأن بيتهوفن كان ينفذ فكرة فنية بحتة، أو يخوض تجربة موسيقية دقيقة، ويشعر بأن العنوان الذي أطلقه بيتهوفن نفسه، على مصنفه الموسيقي، هو العنوان المعبر حقاً عن جوهر هذه المقطوعة. الحركة الأولى من السوناتا هي الأشهر على الإطلاق، وهي حركة شاعرية إلى أقصى درجة، تمتد زمنياً لست دقائق تقريباً، وتعزف بواسطة البيانو المنفرد، ولها ثيمتها المميزة، التي تتكون من ثلاث نغمات، تأخذ في التكرار بارتجال دائم، وفي منتصف الحركة يبدو الأمر، كما لو أن هذه الثيمة تتفكك تماماً، وتتناثر نغماتها، ثم تتقارب مرة أخرى، وتتجمع وتتكون من جديد. في هذه الحركة، نشعر بأن بيتهوفن يتكلم بالنغم ويقول الكثير، ونشعر أيضاً بأننا نستمع إلى خفقات قلبه، ونعرف أنه كان يتحدث إلى جولييتا، التي أهدى إليها السوناتا، كرسالة مكتوبة بحروف الموسيقى.

كاتبة مصرية
عن القدس العربي
21/8/2023






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com