ظـــــل الــــغــــيـــمة .... الــسرد الشاعري في سيرة الشاعر حنا أبوحنا - رشيد عبد الرحمن النجاب



تذهب الدهشة بالقارئ بعيدا فيبدو عاجزا عن التعبير والوصف لما قرأه، ويحتار من أين يبدأ في الوصف، وأي نهج يمكن أن يسلك ليفي هذا العمل الخالد حقه! كان هذا حالي وأنا أغلق الكتاب الموسوم "ظل الغيمة" الذي أثراه "زيتونة الجليل"، الشاعر، والأديب، والمربي الفلسطيني الراحل حنا أبو حنا بسيرته أو بعضا من معالمها، لعل في هذه الكلمة كثيرا من التبسيط والاختصار، فما ضمه الكتاب يتعدى السيرة ليشكل قراءة في التاريخ، والجغرافيا، واللغة وعلم الاجتماع أنها سيرة شعب ووطن.

كتاب متقن الإخراج ضم معالم سيرة الشاعر حنا أبو حنا صاحب هذه السيرة، حيث يتصدر اسمه غلاف الكتاب يليه العنوان "ظل الغيمة"، وفي هذا العنوان ما فيه من الشاعرية والخيال، ولوحة جميلة لرفيقه الفنان الفلسطيني “عبد عابدي" ابن حيفا بعنوان "طيارة ورق فوق حيفا"، وأضاف اللون المختار للغلاف بعدا جماليا فقد تماهى مع بعض المكونات اللونية للوحة، وتمازجت مع اللون الأبيض في إيحاءات وثيقة الصلة بالغيمة وظلها. فأي مدخل لهذا المضمون وعمق دلالاته أجمل من هذه العتبات!

وما بين "قال الشارح"، و "قال الراوي" ينقل الكاتب القارئ إلى أجواء الرواية التراثية ربما في إشارة إلى أن المعلومات مستقاة من الأهل والأقارب وغيرهم، أو أنه لم يشهد هذه الأحداث بنفسه، أو أن هذه الأحداث أو المعتقدات مروية لجيل بعد جيل إلى أن وصلته، كما استخدمها في الإشارة إلى معاني بعض المصطلحات اللغوية ودلالاتها.

لن يطول انتظار القارئ قبل أن يتمكن من ربط عنوان الكتاب بمضامينه، هو ذا يستهل الفصل الثاني المعنون "رام الله" فيقول: "مثل غيمة تنقلت طفولة يحيى في سماء بلده " ثم يشير إلى تنقلات والده بحكم عمله "مسّاحا" في أرجاء فلسطين من شمالها إلى جنوبها، ومن غربها إلى شرقها مرورا برام الله والقدس في وسطها. تنقلات ألقت ببعض العبء على حياة العائلة نتيجة لعدم الاستقرار، إلا أن القارئ سيستشف من السرد كم ساهمت هذه التنقلات، بين تضاريس البلاد وأجوائها، وتعدد مظاهرها الطبيعية في إثراء خيال هذ الشاعر عبر مراحل ومحطات كما سيتضح لاحقا عبر هذه السطور.

تميز السرد عبر هذه السيرة بالسلاسة والتشويق، وأضفت عليه التعليقات الساخرة التي تناثرت أنى سمح الظرف بذلك بإضفاء روح المرح، وقد تلونت تلك السخرية باللون الأسود أحيانا في تعبير عن شدة الألم وعمق الصدمة. ولكن أهم ما تميز به السرد كونه مفعم بشاعرية رقيقة، تضيف إلى دقة الوصف أبعادا جمالية تضاعف من تشويق السرد وجاذبيته، وبالرغم من صعوبة نشر الأمثلة التي توضح هذه الصور لكثرتها من جهة، وشدة جاذبيتها للعرض من جهة أخرى، إلا إنني سأكتفي بهذه الصورة التي وضعها الشاعر حنا أبو حنا حتى بدت كمقدمة لما يليها من الفصول:

يقول الشاعر حنا أبو حنا في صفحة (18): "الذاكرة مسرح كبير معتم. تسلط عليه دوائر ضوئية متفرقة تجلو مشهدا، أو موقعا، أو شخصا، أو حدثا، أو صوتا، أو رائحة...." وعن ذاكرة العين يقول

"ذاكرة للعين فيها تلك السفوح المطرزة بكروم اللوز والتين والزيتون في الطريق إلى القدس وتلك القمم الشامخة وراء السور في القدس، وكروم العنب والأجاص في رام الله وجفنة، وهيبة الجميز الوارف الظلال وتلاعب هامات النخيل مع الريح في أسدود ونجد في قطاع غزة،

ولهفة انحدار جبل الكرمل لعناق الشاطئ في حيفا، واحتضان الخضرة لبحيرة طبرية، وخرير القنوات المنسابة بين البيوت في بيسان، والحجل يكرج على سفوح الجرمق، وأمواج المتوسط تتلاطم صاخبة متدافعة في مغارات رأس الناقورة"

ثم ينتقل ليصف ذاكرة لكل من الحواس الذوق، والشم، والسمع ومنها هذا الصوت للدلو في نزوله وصعوده في البئر: "صوت الدلو يهبط خليا يترنح على جوانب البئر، وصوت جدار البئر يحتضن الدلو المليء ويشرب من كفيه".

تزدحم مشاهد الوصف الجميل والدقيق لربوع فلسطين عبر الفصول فتحيل السرد أطيافا من ألوان جميلة تشكلت لوحات تبرز الوطن في أبهى حلة، رسمها خيال الشاعر حنا أبو حنا الذي تغذى ونما بفعل عوامل عديدة وفقا لما قدمته السيرة للقارئ، فإلى نهم متزايد للقراءة واهتمام بالصحف والمطبوعات، تأتي هذه اللقاءات و ما ضمته من حوارات مع الطبيعة الذي تعددت مسارحه من بحر حيفا وقبته السماوية، إلى سماء القرية، وليالي الصيف، والنوم فوق السطوح للقاء درب التبانات، وآلاف النجوم في القبة السماوية الحافلة بالألوان، ثم ليل طبريا وبحيرتها وسحرهما، كما شكل ميله للاستماع إلى أحاديث الكبار في دواوينهم مصدرا لا يقل أهمية من مصادر تحفيز الخيال.

توشَّح السرد بالعديد من الأبيات الشعرية في توضيح أو تعليق على موقف ما هنا وهناك، وتراوحت بين شعر المعلقات؛ الأعشى، وطرفة بن العبد، ثم شعر المتنبي وغيرهم كثيرون وصولا إلى شوقي وشعر وأناشيد من العصر الحديث، ولم يُغفل ذكر العديد من الأهازيج التي تستخدم في المناسبات المختلفة، وقد اعرب عن ميله للشعر عندما سأله والده ماذا تنوي أن تكون في المستقبل؟ فأجابه بلا تردد "أريد أن أكون شاعرا" وقد كان له ما أراد، بل بات مُعلِّما للشعراء.

وتناول المربي حنا أبو حنا في سيرته ما يخص التعليم، ومسلك الطلاب والمعلمين بكثير من التفاصيل، بدءا من الكُتّاب إلى مرحلة الوصول إلى المدرسة العربية في القدس، فقد تعلم القرآن في الكتاب وحفظ بعض أجزائه وأجاد قراءته، بينما أشار إلى مرحلة كان يتم فيها فصل الطلاب المسلمين عن المسيحيين في درس الدين، وقد انتقد هذا التوجه وطبق هذا النقد عمليا حينما أصبح مديرا، ومنع فصل الطلاب في حصة الدين معتبرا أن الأهل أولى بالتربية الدينية. ولم ينس أن يشير إلى الأستاذ خليل السكاكيني المفكر الفلسطيني الفذ، وإلى بعض مآثره في العملية التربوية والتعليمية. كما قدم أمثلة لعدد من المدرسين في مراحل متقدمة من التعليم، لعل أبرزهم الأستاذ نعمة المتعمق في اللغة العربية، الباحث عن المعاني في خبايا القواميس، وما تركه ذلك من أثر في شحذ همة "يحيى" الذي قبل التحدي ومضى باحثا عن اللغة هو ذا يقول عن علاقة يحيى باللغة العربية: "ظلت العربية راسخة في وجدان يحيى تستهويه، ويطرب لها".

ولم تخل السيرة من صور للجانب الآخر لحياة الطلاب ومغامراتهم، بما في ذلك غزوهم للبساتين ورحلات الصيد، ناهيك عن مشاغباتهم مع بعض المدرسين، وقد بدا "يحيى" بعيدا عن هذه الجزئية.

وتناول الشاعر حنا أبو حنا حياة الناس وعاداتهم عند الولادة وعند الموت، وعند الحصاد وعند الزفاف، وفي استجداء السماء طلبا لنزول المطر، ولم تخل من الإشارة إلى بعض الصفات السيئة مثل جلسات النميمة والمبالغة في القول والادعاء، والتدخل في شؤون الغير

وكان للوطن مساحة على امتداد السرد، ومكانة بدت متزايدة مع زيادة الوعي، فمن حديثه عن أسدود في قطاع غزة وتناوله لتاريخها القديم والمتوسط، وصولا إلى معلومات سيعلمها لاحقا فقد شرد أهلها وتغير اسمها لتصبح أشدود، وبات القادمون الجدد غير راضين عن مشاركة المدينة مع سكانها الأصليين.

ثم ثورة 1936 وأحداثها وسلبياتها التي طغت على ما مثلته من قيم إيجابية سيما في الفترة ا لأخيرة وعن دور الإنجليز في إجهاضها، وصولا إلى الكتاب الأبيض ومزاعم الاستقلال، وبدء الحديث عن التقسيم.

كما تحدث عن أنابيب من الخزف "قساطل" كانت تستخدم لنقل المياه اكتشفتها دائرة الآثار الإنجليزية في بلدة يحيى "الرينة" ثم ما لبثت أن دفنتها،" إلا أن يحيى شاهدها، بإعجاب ورحل بفكره إلى قبل مئات السنين "وأخذ يتخيل الناس الذين حفروا وبنوا، واستقوا وسقوا، كانوا هنا إنهم أجداده، قدماه راسختان في هذا التراب وأجداده عريقون هنا"

ملاحظة: يغطي هذا الجزء من السيرة حياة الشاعر حتى التحاقه بالكلية العربية وهو بالتالي لا يشمل تفاصيل حياته العملية والعائلية السياسية والنضالية

عن الاتحاد
14/7/2023








® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com