في متاهات المعري الذي رأى ما لا نرى - يوسف م. شرقاوي


بين تأثيره المحتمل في إحدى روائع الأدب الأوروبي، وفهمنا المنقوص عنه بسبب إتلاف أقاربه لكتابه الأخير، ماذا نعرف عن صاحب "رسالة الغفران"، أبي العلاء المعري؟

في جداريّته، كتب محمود درويش عن فيلسوف المعرّة وشاعرها:

"رأيتُ المعرّي يطرد نُقّاده

من قصيدتِهِ:

لستُ أعمى

لأبْصِر ما تبصرون

فإنّ البصيرةَ نورٌ يؤدّي

إلى عدمٍ أو جنون".

كما كتب أدونيس، في المجلد الثاني من آثاره الكاملة، عن رهين المحبسين:

"أذكر أنّي زرتُ في المعرّة

عينيكَ، أصغيتُ إلى خُطاك".

وفي مقدمته لديوان الشعر العربي، قال عنه أيضاً: "كان أبو العلاء برجاً يرتفع وحيداً، عالياً، في مغارة البشر، وفي الجهات كلّها يُرى ويتلألأ".

فيما أسماه الشاعر المصري نجيب سرور "إمام الحائرين"، وفضّل عميد الأدب العربي طه حسين أن يناديه "أبو العلاء" فقط، على الرغم من أنّ المعرّي ينزعج من هذه التسمية، وعبّر عن ذلك صراحةً بقوله:

"دُعيت أبا العلاء وذاك مَينٌ

ولكنَّ الصحيحَ أبو النُّزولِ".

تعريف القدماء والمحدثين بأبي العلاء

إنّ الدراسات والمقالات والتراجم المكتوبة عن أبي العلاء كثيرة، تفوق الـ50 في التاريخ الحديث والمعاصر، بعيداً عمّا كُتِب عنه في كتب القدماء مثل الحموي في "معجم الأدباء"، الذي يروي فيه أنّ المعرّي قال الشعر وهو ابن 11 سنة، والذهبي في مؤلَّفه "تاريخ الإسلام"، وابن العديم في "الإنصاف والتحرّي"، والقفطي في "إنباه الرواة"، وابن الجوزي في "المنتظم"، وابن خلكان في "وفيات الأعيان"، والثعالبي في "تتمة اليتيمة"، والباخرزي في "دمية القصر"، وابن كثير في "البداية والنهاية". ويمتدّ إلى هذه المؤلفات الكتاب الذي جمعه وحققه طه حسين، تحت عنوان "تعريف القدماء بأبي العلاء"، إذ يجمع كلّ ما كتبه الأوائل فيه.

أما الكتب الحديثة، فأهمّها كتب طه حسين "صوت أبي العلاء"، "مع أبي العلاء في سجنه"، و"تجديد ذكرى أبي العلاء"، بالإضافة إلى كتاب "أبو العلاء المعري.. حياته وشعره"، الذي يحوي مقالات لأكثر من 20 أديباً وناقداً عربياً، منهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وخليل مطران ومصطفى لطفي المنفلوطي، إلى جانب كتاب عبد الفتاح كيليطو المرجعي، "أبو العلاء المعري أو متاهات القول"، وغير ذلك من الكتب والمقدمات، وبعضها مخصَّص عن أثر مؤلَّف المعرّي "رسالة الغفران"، التي تُقارن بملحمة دانتي أليغري "الكوميديا الإلهية"، وقد خصص الناقد الموسوعي الراحل صلاح فضل كتاباً في هذا الباب.

رفض الأبوّة والكتاب المُتلَف

يقسم الناقد عبد الفتاح كيليطو كتابه عن المعرّي إلى 7 فصول، هي الفستق، منامات أبي العلاء، جنون الشك، رُبّان الحداثة، بين الجهر والسر، روايات، الكلب الأعمى.

من عناوين الفصول، نلاحظ اختلاف بناء كتاب كيليطو عن المؤلفات الأخرى التي تتعلق بالتراث وأعلامه. ليس الجديد هنا هو المعري، كما يقول محمد عبيد الله، إنما طريقة قراءة الناقد له، وطريقة الدخول إلى عالمه بمواربة، ومن دون ادّعاء بتقديم الكلمة النهائية.

يربط كيليطو بين عمر الخيام والمعرّي عن طريق البيت الذي أخذه الخيام عن المعري. يقول بيت الخيام:

"فامشِ الهوينا إن هذا الثرى

من أعين ساحرة الإحورار".

أما بيت المعري فيقول:

"خفف الوطأ ما أظن أديم الأرض

إلا من هذه الأجساد".

يسأل كيليطو إذا ما كان الخيام ابناً روحياً للمعري، كما يفسر نفور المعري أو رفضه القاطع للأبوة بالقول: "يكره أن يكون دائناً أو مديناً، والأبوة لا محالة تخلق ديناً في عنق الابن".

إنّ المعرّي يودّ أن يلغي منطق الهبة والتبادل، من دون أن يبطل التبادل اللساني والبياني. يُرجع كيليطو كذلك حساسية المعرّي تجاه الهبة إلى العاهة التي مني بها صغيراً، وهي العمى، وما نتج عنها من تبعيّة للغير. ويُحضِر من لزومياته صدى لهذه الفكرة. تمتد هذه الفكرة إلى فلسفته عن الحياة والإنجاب، التي سبق فيها مَن تُطلق عليهم نانسي هيوستن لقب "أساتذة اليأس"، في كتابها "النزعة العدمية في الأدب الأوروبي".

إنّ حياته، بوصفها هبة أو هدية لم يطلبها من والديه، مآلها الموت، فكما لو كان قد اعتبر أنَّ والديه أهدياه الموت نفسه، ما جعله يوصي أن يُكتب بيته الشهير على قبره:

"هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد".

يمكننا الاستنتاج أنّ المعرّي حفظ "الشعر العربي كلّه"، قديمه وحديثه، أو أنّه "حفظ كلّ ما في الكتب، فكان الناس يلجأون إليه عندما يتعذّر عليهم الحصول على نسخة من كتاب مفقود، أو عندما يكون الكتاب مبتوراً"، وذلك بناءً على ما قاله المعرّي نفسه: "ما سمعتُ شيئاً إلا وحفظته، وما حفظتُ شيئاً فنسيته". وفي مكانٍ آخر يقول: "منذ فارقت العشرين من العمر، ما حدثت نفسي باجتداء علمٍ من عراقي ولا شآم".

يؤكّد تلميذه الخطيب التبريزي هذه الأقوال، إذ صرّح: "ما أعرف أنّ العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعرّي".

يرتدّ المعرّي إلى طفولته الأولى في السابعة والثلاثين من عمره، عند موت أمه التي رحلت وقد اكتهل هو، فخال أنه رضيع ما بلغ مدى الفطام. ينبذ العالم الخارجي، وينزوي في بيته، وينطوي على نفسه. هذا هو محبسه الثاني بعد عماه، فيما يقول إنّ محبسه الثالث هو الجسد:

"أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيثِ

لفقدي ناظري، ولزوم بيتي، وكون النفس في الجسم الخبيثِ".

لكنّ أكثر ما رآه صاحب "اللزوميات" و"سقط الزند" جديراً بالنقل والتوريث والتداول، هو اللغة العربية وعلومها.

إنّ أبا العلاء، الذي يخفي شيئاً ممّا يعلم، ولديه سر لا يستطيع إفشاءه، كما يقول في "اللزوميات":

"ولدي سر ليس يمكن ذكره

يخفى على البصراء وهو نهار".

وفي مكانٍ آخر يقول:

"بني زمني هل تعلمون سرائراً

علمتُ ولكنني بها غير بائح".

هكذا يضعنا من جديد في حيرةٍ، ببراعة الشاعر والفيلسوف، ورقابة زمنه وأقربائه، ليتحوّل بذلك إلى أسطورة، إذ نعرف أنّه قبل أن يُسلم الروح مباشرةً، أملى كتاباً لم يصلنا بسبب رقابة أقربائه لأنّه "منافٍ للصواب"، فأتلفوه. لعلّ هذا الكتاب الغريق، هو المفتاح الذي نفتقده للخروج من متاهات أبي العلاء، الذي ربّما قال فيه ما لم يقله في مؤلفاته الأخرى.

رسالة الغفران والكوميديا الإلهيّة: بين التأثّر ورفضه

لولا دانتي لما اهتمّ أحد برسالة الغفران. لقد صارت، كما يقول كيليطو، محطّ عناية ورعاية منذ نُظر إليها كرافد من الروافد التي غذّت الكوميديا الإلهيّة.

كان المستشرق والمؤلف الإسباني، أسين بلاثيوس، أول من فتح الباب لسيلٍ من المقارنات بين العملين والدراسات لهما، أو بين كوميديا دانتي والمصادر الإسلامية التي تأثّر بها، وذلك بعدما نشر كتابه "علم الأخرويات الإسلامي في الكوميديا الإلهية"، الذي تُرجم إلى اللغة الإنكليزية في العام 1926. فيما تُشير مراجع أخرى إلى أنّ المستشرق الفرنسي أ. بلوشيه نشر، في العام 1901، كتاباً بعنوان "المصادر الشرقية للكوميديا الإلهية".

بعد ترجمة كتاب بلاثيوس بسنتين، خصص عبد اللطيف الطيباوي فصلاً في كتابه "التصوف الإسلامي العربي" عن هذه القضية. ثم في سنة 1953، تطرّق غنيمي هلال إلى هذه المسألة في كتابه "الأدب المقارن" في نطاق حديثه عن الملحمة، وبعد كتاب هلال بـ10 سنوات عاد عبد الرحمن بدوي إلى هذا الباب في كتابه "دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي"، تلاه إبراهيم عبد الرحمن في كتابه "دراسات مقارنة"، ثم كتاب رجاء جبر "رحلة الروح بين ابن سينا وسنائي ودانتي"، الصادر في العام 1977، إلى حين أفرد صلاح فضل كتاباً كاملاً بعنوان "تأثير الثقافة الإسلامية بالكوميديا الإلهية لدانتي"، وفيه فصل عن التشابهات بين رسالة الغفران للمعرّي والكوميديا الإلهيّة لدانتي. وثمة كتاب مخصص كذلك للمقارنة بين رسالة الغفران وكوميديا دانتي لعفاف بيضون، اسمه "بين المعري ودانتي"، المعلومات عنه قليلة.

يقول عمر فروخ في كتابه "حكيم المعرّة"، إنّ دانتي يقترب من "لزوميّات" المعرّي، ولكنّه اهتمّ بكتابه المشهور "رسالة الغفران"، وبنى عليه ملحمته. ثمّ يقول في موضع آخر: "رسالة الغفران تنتزع من دانتي فضل السّبق إلى موضوعه". ومثله يقول لويس عوض في كتابه "على هامش الغفران"، إذ يرجّح أنّ رسالة الغفران للمعرّي كانت في متناول يديّ دانتي، وقد قرأها عن ترجمة لاتينيّة ضائعة.

على الطرف الآخر، ثمة أصوات ترفض تأثّر دانتي بالمعرّي جملةً وتفصيلاً، مثل المستشرق الإيطاليّ غابرييلي، بالإضافة إلى كلٍّ من مازوني وراجنا.

يرى عيسى الناعوري في كتابه "أدباء من الشّرق والغرب من الأدب المقارن"، أنّ الباحثين العرب الذين أيّدوا المستشرق الإسبانيّ بلاثيوس في دعواه بتأثير رسالة الغفران في الكوميديا الإلهيّة، دفعهم التعصّب إلى ذلك، من دون أن يقدّموا حججاً منطقيّة عليه.

يقول كيليطو إنّ هذه المقارنة في رأي معظم الباحثين لا جدوى منها؛ لأنّ دانتي لم يكن بوسعه الاطلاع على "رسالة الغفران" التي لم تترجم إلى أي لغة، بل لم تُحدث حتى في الأوساط الأدبية العربية نقاشاً من شأنه إثارة فضول الإيطاليين أو سواهم من الأوروبيين. لكن عملية المقارنة هذه أخرجت "رسالة الغفران" من عزلتها الطويلة، إلى حدِّ أنّه يمكن القول، من دون مبالغة، إنّ دانتي أثّر في إعادة قراءتنا للمعرّي.

عن الميادين
27/5/2023






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com