عودة الى أدب وفن

ما يقوله الحب لي: فلسفة نيتشه وموسيقى مالر في باليه بيجار - مروة صلاح متولي


يبدأ كل شيء من عند فريدريك نيتشه الفيلسوف الألماني صاحب كتاب «هكذا قال زرادشت»، وهو كتاب فلسفي لا يخلو من فنون الكلمة والأدب، ولا يفتقد إلى الحكمة وصور الخيال البديع. من هذا الكتاب استلهم الموسيقار الألماني غوستاف مالر، بعضاً من معاني وأفكار سيمفونيته الثالثة، وهي سيمفونية طويلة مكونة من ست حركات، لا تخلو من الغناء وإنشاد كلمات نيتشه على وجه الخصوص، وما قام بنظمه من شعر في مؤلفه المشهور «هكذا قال زرادشت». وعلى وقع أنغام النصف الثاني من هذه السيمفونية، أي موسيقى كل من الحركة الرابعة، والحركة الخامسة، والحركة السادسة، صمم موريس بيجار، باليه ما يقوله الحب لي Ce que l’Amour me dit، الذي عُرض للمرة الأولى سنة 1974 في موناكو، ويُعد من الإبداعات الفريدة للمصمم الفرنسي الراحل، أحد أعظم مصممي الباليه في عصره والعصور اللاحقة، وأحد أهم محدثي هذا الفن في العالم على الإطلاق.

عاش موريس بيجار في الفترة من سنة 1927 إلى سنة 2007، وفي أعماله الكثيرة والمتنوعة التي أنجزها خلال سنوات العمل والاحتراف الفني، نجد ما أبدعه هذا المصمم البارع من لغة راقصة خاصة به، مطبوعة بطابعه، تدل على صاحبها بقوة، وتجعل المرء يتعرف عليها فوراً، ويلاحظ التأثر بها أو استخدامها والنقل عنها لدى المصممين الآخرين، إن حدث وقام أحد بهذا الأمر في أي مكان من العالم، تعلن هذه اللغة الراقصة عن نفسها، بما فيها من بلاغة الحركات، وقوة الإيماءات، وعمق التعبيرات الجسدية.

ونجد أيضاً لدى موريس بيجار المختارات الموسيقية البديعة، ونستمع إلى أصعب القطع الكلاسيكية أثناء مشاهدة الرقص، وقد استطاع أن يُنطق الأجساد بأنغامها وإيقاعاتها وأحاسيسها. كما نجد الفلسفة، التي هي ركن أساسي من أركان فن هذا المبدع، والحق إن أعمال موريس بيجار قريبة الشبه بكتاب فلسفي ضخم، ويبدو كل باليه من باليهاته كفصل من فصول هذا الكتاب. ويشعر المرء أحياناً بأن مشروع موريس بيجار الفني، أو ما كان يريد أن يحققه، وأخذ يعمل من أجله مدى حياته، هو التعبير عن الكون بالرقص، والتعبير عن الإنسان منذ بداية الخلق وحتى نهاية العالم، عن حيرة هذا الإنسان الذي يجهل سر وجوده، ولا يملك إلا أن يخضع للحياة عندما تأتي، وأن يخضع للموت عندما يأتي، عن الجهد المضني الذي يبذله هذا الإنسان في البحث عن سبب، عن معنى، عن منطق، عن حب، عن شيء ما يفقده بقوة ويبحث عنه إلى الأبد، لا يعرف ما هو هذا الشيء، لكنه يظن إنه إن عثر على هذا الشيء، سيكتمل الفراغ وتتضح الرؤية ويُكتشف السر.

انطلق بيجار من حيرته الشخصية، وتساؤلاته التي أرّقته هو أولاً، وبحثه الطويل الذي خاضه خلال سنوات عمره، وكان يترجم كل ما يصل إليه على الفور إلى لغة الرقص، لغته الأساسية التي يستطيع التعبير من خلالها، فهو ليس فيلسوفاً ولا كاتباً ولا مغنياً ولا موسيقياً، إنه مصمم باليه، يمتلك تلك اللغة القديمة التي لا تحتاج إلى صوت أو كلمات، حيث يستطيع أن يعبر الجسد البشري عن العقل والقلب والروح والمشاعر، وأعقد الأفكار الفلسفية.



وعلاقة موريس بيجار بالفلسفة عميقة، بدأت منذ أن تفتح وعيه على هذه الدنيا، فهو ابن لفيلسوف، نشأ في كنف الفلسفة، وأحاطت به كتبها ولغتها وأفكارها من كل جانب. لم يهدأ موريس بيجار ويستقر قانعاً في أحضان الفلسفة الفرنسية أو الألمانية مثلاً، وانطلق نحو الآفاق البعيدة شرقاً وغرباً، وطالع الأفكار والثقافات المختلفة، ويجد المرء آثار هذا الانفتاح على العالم، في أعمال استلهمها من الثقافة الهندية والثقافة الإسلامية، وكما كان لهذا الانفتاح على الثقافات المختلفة آثاره على فنه، وكان له آثاره الشخصية عليه أيضاً، فقد اعتنق موريس بيجار الإسلام في أواخر السبعينيات، وقام سنة 1979 بتصميم رقصة «الإشراقات» على أنغام أغنية «تائب تجري دموعي ندما» لأم كلثوم، ذلك أنه كان مستمعاً لأم كلثوم عاشقاً لصوتها. وقد أتى موريس بيجار إلى مصر أكثر من مرة، وقدم عروضاً أمام أهرامات الجيزة، وكذلك في مدينة الأقصر أمام معابدها الفرعونية المهيبة.

صدر كتاب فريدريك نيتشه على أربعة أجزاء، في الفترة من سنة 1883 إلى سنة 1885. وألف غوستاف مالر سيمفونيته الثالثة سنة 1896، ومنح حركاتها عناوين يرتبط بعضها بكتاب نيتشه أو تدل عليه، ولم يكتف بترقيمها وحسب، كما هو الحال في أغلب السيمفونيات العالمية، مثل عنوان الحركة الرابعة «ما يقوله الإنسان لي»، وعنوان الحركة الخامسة «ما تقوله الملائكة لي»، وعنوان الحركة السادسة «ما يقوله الحب لي».

كما جعل الغناء جزءاً من سيمفونيته، وتحديداً غناء بعض أشعار نيتشه، كقصيدة «أغنية الليل» في الحركة الرابعة، وهي أغنية جميلة، تتحدث عن عمق هذا العالم، وعمق الألم وعمق الفرح أيضاً، وأن نُشدان الفرح للخلود أقوى بكثير من نُشدان الألم له. وكذلك في الحركة الخامسة، أضاف مالر أغنية ألمانية قديمة قد تكون فولكلورية، فيها حكاية لطيفة عن ثلاثة ملائكة يغنون، وقد اختار موريس بيجار عنوان الحركة السادسة، ليكون عنوان الباليه الذي صممه، ونراه قد ذهب إلى هذا العنوان، على الرغم من إنه يعتمد في عمله، على الحركة الرابعة والخامسة أيضاً إلى جانب الحركة السادسة، ولكل حركة منهما عنوانها الجاذب، لكنه فضّل عنوان الحركة السادسة، فالحب يشمل كل شيء، لهذا جعله واجهة هذا الباليه الرائع، كما جعله غوستاف مالر خاتمة لسيمفونيته الفذة.

يمزج باليه «ما يقوله الحب لي»، بين الباليه الكلاسيكي والرقص الحديث، حيث يذهب موريس بيجار دائماً، نحو الجديد في الأسلوب، والموضوع الفني وطريقة التعبير عنه. ويبدو هذا العرض من أوله إلى آخره، كحوار جسدي بين الراقص والراقصة، قد يكون هذا الحوار صامتاً، وينعكس ذلك في لحظات ابتعاد كل منهما عن الآخر، وقد يبلغ الحوار أقصى درجات التواصل، التي تعبر عنها في هذه الحالة، التكوينات التشكيلية، التي يكوناها بجسديهما. وبشكل عام لا تعتمد الحركة على السرعة والقوة، بل تعتمد على المرونة والانسيابية، ومهارة تنفيذ الانحناءات والتموجات، وتمدد الذراعين والساقين، وارتسام خطوط القوام بشكل تعبيري، سواء في الحركة أو السكون.

يمتد الباليه لنصف ساعة تقريباً، وينقسم إلى ثلاثة أجزاء، ويبدأ بوجود البطل أو الراقص الرئيسي، على خشبة المسرح وفي منتصفها، وقد اتخذ جسده وضعية تشبه وضعية السجود إلى حد ما، ومن خلفه تقف البطلة أو الراقصة الرئيسية، وترفع يديها قليلاً نحو الأعلى، كما لو أنها ترفعهما للسماء في وضع الدعاء. كما يظهر في الخلفية بعض الأشخاص الذين لا يؤدون أي رقصات، ويرتدون ثياباً غريبة تاريخية، ربما تعبر عن حضارة زرادشت ومكانه وزمانه. تظل الراقصة وراء الراقص في بداية الباليه، ويؤدي كل منهما حركات مختلفة عن الآخر، ويتواجهان تدريجياً ويقتربان من بعضهما، بعد محاولات مترددة غير مكتملة، كأن تخطو الراقصة نحو الراقص بضع خطوات، ثم ترجع إلى مكانها بعيداً عنه مرة أخرى وهكذا. وبعد الاقتراب يبدأ التواصل الجسدي بينهما من خلال الرقص، كأن يدعم الراقص الراقصة، أثناء الدوران والانحناء، أو أن يرسما بجسديهما بعض التكوينات التشكيلية على خشبة المسرح. ومن أجمل هذه التشكيلات، عندما تكون الراقصة فوق كتفي الراقص، وهو جالس على الأرض، وتغطي رأسه بجسدها كأنها تغمره وتستحوذ على كيانه تماماً، وهناك أيضاً بعض الحركات الدالة، كأن تضع الراقصة يدها أمام عيني الراقص، ويدور هو وراء تلك اليد، كأنه لا يرى شيئاً، وكأن الحب يقوده إلى حيث يشاء.

وفي الجزء الثاني من الباليه، يظهر المزيد من المجموعات الراقصة، وتكون هذه المجموعات مستلقية على أرضية المسرح في البداية، وهو الأمر الذي يتكرر لدى موريس بيجار دائماً في أكثر من عمل، ثم تُؤدى الرقصات الفردية والثنائية والثلاثية، يتقدمهم دائماً الراقص الأساسي. وفي الجزء الثالث تتميز الرقصات الثنائية بين البطل والبطلة بتعبيريتها، كما توجد رقصة الشمس الرائعة، حيث يلتقي الراقص بالنور، فيقوى الجسد وتنفتح الحركة وتصير أكثر حرية. لا يزال باليه «ما يقوله الحب لي» يُعرض ضمن ريبرتوار فرقة باليه بيجار، أما الراقص الرئيسي في أول عرض لهذا العمل، فكان بالطبع الراقص الأرجنتيني جورج دون، الذي التقى به موريس بيجار للمرة الأولى في الأرجنتين، وكان جورج دون لا يزال راقصاً مبتدئاً، وظل هو نجم فرقة بيجار حتى موته سنة 1992. وتكتمل المتعة دائماً بمشاهدة أعمال موريس بيجار بأداء هذا الراقص الأسطوري، صاحب الموهبة المشتعلة والجسد الحالم والوجه المعبر.

كاتبة مصرية

عن القدس العربي
30/1/2023




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com