عودة الى أدب وفن

العالم البريطاني إسحق نيوتن: غرائب وأحقاد واضطرابات نفسية - زيد خلدون جميل


«علق ضفدع من ساقيه في مدخنة لثلاثة أيام واجعله يتقيأ ما تناوله من حشرات وأشياء أخرى حتى يموت ثم أمزج هذا مع مسحوق ضفدع، وضع المزيج على البقع الجلدية». لم تكن هذه الوصفة المقرفة من فيلم رعب سخيف أو عن أفضل الطرق لتعذيب ضفدع مسكين، بل وصفة لعلاج مرض الطاعون الذي كان يعصف ببريطانيا عامي 1665 و1666. ولم يكن كاتبها دجالا من قرية يسكنها فقراء أميين، بل أكبر عالم في تاريخ بريطانيا، ألا وهو إسحق نيوتن الذي ينشر الإعلام العالمي مقالات عنه باستمرار. ولا يمكن الظن أن ذلك العالم قد جرب هذه الوصفة السحرية وأثبت فعاليتها، فهذه الوصفة كفيلة بإلحاق ضرر كبير بصحته وربما وفاته.

والجدير بالذكر أن وباء الطاعون أودى بحياة مئة ألف شخص في بريطانيا بين عامي 1666 و1667، لكن هذه الوصفة تبين مدى العقلية العلمية لإسحق نيوتن، الذي يعتبر أحد أبرز علامات عصر التنوير في أوروبا، وهو العصر الذي يصفه المؤرخون بأنه تميز بالاعتماد على العلم المبني على التجربة العملية والتخلص من الأفكار التي لا علاقة لها بالواقع واحترام حقوق الإنسان وتقليص دور الكنيسة، لاسيما الكاثوليكية.

لكن إسحق نيوتن لم يكن أكذوبة، إذ كان أشهر عالم رياضيات في بريطانيا ويعتبر مؤلف أشهر كتاب علمي في تاريخ بريطانيا، وربما في العالم، ومخترع التفاضل والتكامل في الرياضيات، ومن وضع نظرية الضوء والألوان وقوانين الجاذبية وأشياء أخرى كثيرة. وقد حقق كل ذلك على الرغم من معاناته الشديدة من أمراض نفسية، ربما تقود آخرين إلى الانتحار أو الجنون. وكانت أولى مشاكله المعاملة السيئة التي تلقاها من والدته التي حقد عليها وعلى زوجها (توفي والد نيوتن قبل ولادته بثلاثة أشهر) طوال حياته. وكبر ليتحول إلى شخص حقود وحسود تجاه كل من حوله. وكان التفوق العلمي وسيلته الوحيدة للتفوق على الآخرين، كما كان من الخبث حد أنه عرف كيف يتودد إلى من يفيده، وكيف يخفي أي أفكار قد تكون عواقبها ضارة في حالة معرفة الآخرين بها. أصبح نيوتن بروفيسورا في الرياضيات في جامعة كامبريدج عام 1669، عندما كان في السادسة والعشرين من عمره، بناء على توصية من الذي شغل ذلك المنصب قبله، لكن هذا لم يخفِ شخصيته الحقودة والبالغة الحساسية، التي كانت جلية للجميع وكان لها تأثير كبير في كل المشاكل التي تعرض لها في حياته، إذ أصبح عدوا لدودا لكل من خالفه في الرأي لأتفه الأسباب، وحاول دائما إظهار نفسه كعالم عظيم، دون الاعتراف بأنه اقتبس الكثير من غيره، ودون الكشف عن مصادره. وكانت أعماله المنشورة مثيرة للجدل منذ بدايتها، ليس لصعوبة إثباتها، بل لكون بعضها مقتبسة من آخرين سبقوه مثل العالم الألماني كيبلر. وبلغت وقاحته أنه نسب إلى نفسه اكتشافات قام بها علماء عاصرهم واشتهروا قبله مثل، العالم الشهير روبرت هوك Robert Hooke الذي احتج بشدة حيث ذكر أن بعض ما ادعى نيوتن اكتشافه في علم البصريات وقوانين الحركة كان في الحقيقة من اكتشافه هو، وشكّل ذلك جدلا غير لائق بين العالمين، واستغل نيوتن مركزه رئيسا للجمعية الملكية Royal Society (أشهر مؤسسة علمية في بريطانيا) التي كان هوك عضوا بارزا فيها، ليس فقط لرد الصاع صاعين، بل إنه استمر في مهاجمة هوك حتى بعد وفاته عام 1716، فالصراع مع الأعداء بالنسبة لنيوتن لا ينتهي بوفاتهم، بل بوفاته هو. ولذلك أخفى صورة هوك التي كانت معلقة على أحد جدران المبنى، مدعيا أنها ضاعت!

ولم يكتفِ بهذا، إذ قام بإحراق كل وثيقة لهوك عثر عليها في الجمعية، ولحسن الحظ أنه لم يجدها جميعا، فوفاة غريمه لم تكن كافية بالنسبة له. لكن أشهر معركة خاضها نيوتن كانت صراعه مع العالم الألماني غوتفريد لايبنيتز Gottfried Leibnitz حول من يستحق لقب مخترع التفاضل والتكامل. وقد كشف هذا الصراع بالذات جميع الجوانب الشريرة لنيوتن. وكان لايبنتز قد نشر بحثه عام 1684 بينما نشر نيوتن أول بحث له عام 1693. وعلى الرغم من محاولة العالمين أن يكونا لطيفين مع بعضهما بعضا في البداية، فإن طبيعة نيوتن سرعان ما ظهرت حيث أدعى أنه مخترع هذا المجال المهم في الرياضيات، ما أثار حفيظة لايبنتز، الذي كتب مقالات انتقد فيها نظيره البريطاني، وبدأ الصراع بين الاثنين بالتفاقم. ورد مؤيدو نيوتن بانتقادات لاذعة للعالم الألماني، إذ استغل نيوتن الدعم المطلق الذي استلمه من جميع الأوساط البريطانية لاسيما أن بريطانيا كانت أقوى دولة في العالم آنذاك. وهنا قام لايبنتز بعمل غريب وربما يوصف بالغبي، ألا وهو تقديم شكوى رسمية للجمعية الملكية مطالبا إياها بالقيام بتحقيق مستقل لتحديد من اخترع التفاضل والتكامل. ومن المؤكد أن العالم الألماني كان يعلم أن غريمه كان رئيس تلك الجمعية، ونتيجة لذلك قام نيوتن باستغلال الموقف بشكل غير مستقيم، حيث كون لجنة متكونة من أشخاص تحت سيطرته لكونه رئيس الجمعية. وبالتالي رفضت اللجنة الاستماع إلى لايبنتز، لكنها بالطبع استمعت إلى نيوتن. وكتب العالم البريطاني بنفسه تقرير اللجنة منتقدا غريمه الألماني وواصفا إياه بالمحتال، دون أن يظهر اسم الكاتب الحقيقي للتقرير. وبعد ذلك قام بكتابة مقال يشجب في موقف لايبنتز دون أن يذكر اسم الكاتب مرة أخرى. ومن الجدير بالذكر أن الأسلوب المتبع في أبحاث ودراسة التفاضل والتكامل في الوقت الحاضر مقتبس من أبحاث لايبنتز، وليس من نيوتن، إذ استعمل كل منهما أسلوبا مختلفا.

الغريب في مسيرة نيوتن أنه عندما كان في قمة مجده العلمي استلم عرضا من الحكومة البريطانية عام 1696 لتعيينه مديرا في المؤسسة الحكومية المسؤولة عن أصدار العملة البريطانية. ومن المعروف أن بريطانيا كانت تعاني آنذاك من مشكلة كبيرة بسبب مزوري العملة الذين كانوا يسببون أضرارا كبيرة للاقتصاد البريطاني. ولم يكن اعتبار هذه الجريمة خيانة عظمى وفرض عقوبة الإعدام على مرتكبيها كافيا، إذ كان المزورون يقومون بنشاطهم بتزايد نظرا لضعف أجهزة الرقابة. قام نيوتن بعدة مهام بنجاح في تلك المؤسسة، وكان أبرزها ملاحقة المزورين بنفسه، حيث كان يتنكر في ثياب رثة ويتردد على الحانات والأسواق وحتى دور الدعارة للتجسس على المزورين، كما قام بدفع أموال لشبكة من المخبرين لتزويده بمعلومات تؤدي إلى القبض عليهم. وبلغ عدد المزورين الذين أدينوا خلال ثمانية عشر شهرا ثمانية وعشرين. وحكم على بعضهم بالإعدام، لاسيما أشهر مزور في بريطانيا الذي لو قدمت الأدلة ضده في محكمة حالية لربما وُجِدَت غير كافية لإدانته. لكن هؤلاء المزورين لم يكن لديهم محامون، أما المدعي العام، فلم يكن سوى نجم بريطانيا الأول نيوتن نفسه الذي كان يقوم بالتحقيق مع المزورين بنفسه كذلك، قبل المحاكمة. والغريب في الأمر أنه قام في ما بعد بحرق الوثائق المتعلقة بهذه التحقيقات، فهل ذكرت هذه الوثائق شيئا كان نيوتن يخشى فضحه؟ هل استعمل العالم الشهير التعذيب أثناء التحقيق، أو أن أبرياء سجنوا أو أعدموا بسببه؟ من المستحيل الإجابة على هذه الأسئلة.

احتار المؤرخون في محاولتهم لمعرفة سبب ترشيح نيوتن للمنصب في مؤسسة إصدار العملة، فالانتقال من العمل الأكاديمي إلى تلك المؤسسة نقلة غير عادية بين مجالين لا علاقة بينهما. وقد يكون مركزه العلمي وثقة السلطات به، وكذلك العمل السري الذي كان يقوم به العالم الشهير لإيجاد «حجر الفلاسفة» وهو فكرة خرافية لتحويل المعادن العادية إلى ذهب. ولم تكن تلك الفكرة غير علمية حسب، بل إن عمل نيوتن في هذا المجال لم تكن له صلة بالأسلوب العلمي. وكان هذا النوع من الأبحاث قد منع من قبل الملك لتناقضه مع تعليمات الكنيسة، لكن السلطات سمحت به بشكل غير رسمي لظنها أن «حجر رشيد» سينقذ الدولة من الناحية المالية، ولذلك كان بعض العلماء يقومون بتلك الأبحاث بشكل شبه سري. لكن لماذا قبل نيوتن ترشيحه لذلك المنصب؟ قد يكون السبب المرتب المالي، إذ كان جشعا، وربما كان هنالك سبب آخر، وهو مطاردة المزورين، ليس لحب نيوتن تنفيذ القانون، بل لشخصيته السادية والاستمتاع بالإيقاع بهم، وانتزاع الاعترافات منهم، وفي نهاية المطاف إعدامهم. وطالما أن تزوير العملة كان يعتبر نوعا من الخيانة العظمى، فقد كانت لهذه الجريمة طريقة إعدام خاصة بها. وحسب الموسوعة البريطانية، كانت عملية الإعدام تلك مريعة، حيث كان المحكوم بالإعدام يربط بحصان ويسحل في الشوارع حتى يصل إلى موقع الإعدام الذي كان في مكان عام. وكان القائمون على عملية الإعدام يحرصون على بقاء المحكوم حيا عند وصوله موقع الإعدام، ولذلك كانوا أحيانا يضعون لوحا أسفل المحكوم قبل السحل. وبعد ذلك يعلق بحبل برقبته حتى يصل إلى مرحلة ما قبل الموت، وفي تلك اللحظة ينزل من الحبل ويربط كل من أطرافه بحصان، وتطلق الأحصنة الأربعة في اتجاهات مختلفة بكل قوتها حتى يتمزق جسد المحكوم إلى أربعة أجزاء. ويحدث كل هذا أمام الجمهور الذي كان يتجمع بأعداد كبيرة للاستمتاع بهذا الحدث، إذ كانت تلك المناسبات مشابهة لمشاهدة مباريات كرة القدم حاليا.

كان حب نيوتن للمال حقيقة معروفة عنه، وكان قد أصبح ثريا، لاسيما بعد أن ورث الكثير من والدته، واستثمر مبلغا كبيرا في شركة بريطانية شهيرة نشطت في تجارة العبيد، حيث كان لديها عقد كبير مع الحكومة الإسبانية لتزويد المستعمرات الإسبانية في أمريكا الجنوبية بالعبيد. ويبين هذا أنه لم يعر أي اهتمام لأي مبادئ إنسانية، وأن المتاجرة بالعبيد كانت بالنسبة له غير مختلفة عن تجارة الشاي. ومن الجدير بالذكر أن استثماره في تلك الشركة عرضه لخسائر مالية كبيرة. وبقي رئيسا لمؤسسة إصدار العملة (ثمانية وعشرين عاما بالإضافة إلى ثلاثة أعوام مديرا) وفي الوقت نفسه رئيسا للجمعية الملكية (أربعة وعشرين عاما) حتى وفاته عام 1727 عن عمر ناهز أربعة وثمانين عاما، وقد تزامنت فترته الثانية في مجلس النواب مع رئاسته لتلك المؤسستين. ومن الواضح أن شخصيته العدوانية الواضحة ومشاكلها النفسية الحادة والمشاحنات والاتهامات التي تعرض لها لم تؤثر في ثقة السلطات البريطانية البالغة به من الناحيتين المهنية والشخصية، حتى إن ملكة إنكلترا آن، منحته لقب فارس عام 1705 ليصبح اسمه سير إسحق نيوتن.

لم يتزوج نيوتن ولم يظهر أي اهتمام بالنساء، بل إنه قطع علاقته بأحد أصدقائه متهما إياه بمحاولة تعريفه على امرأة! وكان ثريا عندما توفي وأقيمت له جنازة تليق بالأمراء، بينما توفي غريمه الأشهر لايبنتز، فقيرا ولم يسر في جنازته سوى سكرتيره. ترك نيوتن بعد وفاته ثروة لا بأس بها وكمية هائلة من الكتب والمخطوطات التي بينت الكثير من الخفايا عنه، فمثلا اكتشف المؤرخون أن عشرة في المئة من إنتاجه الغزير (عشرة ملايين كلمة) كان عن اعتقاداته الخرافية حول الوصفات الطبية وحجر الفلاسفة وأكسير الحياة التي لم تستند إلى أي أساس علمي. كما اكتشف المؤرخون مدى تعمق إيمانه الديني الذي أثر في الحقيقة في إنتاجه العلمي، حيث مزج أحيانا بين الدين والرياضيات. ومع ذلك لا يمكن نكران العمل الكبير الذي قدمه نيوتن في مجال الرياضيات والفيزياء، ما جعله أيقونة الإعلام البريطاني الذي اعتبره أعظم عالم في تاريخ بريطانيا على الإطلاق.

باحث ومؤرخ من العراق
عن القدس العربي
15/1/2023




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com