عودة الى أدب وفن

حقوق الإنسان.. الاختراق الناعم للثقافات الشرقية - نور الدين بكيس


نحن مطالبون برفض تعميم قيمٍ ليست إلا أحكاماً أخلاقية لثقافات مجتمعات محدّدة، لا تراعي السياقات الثقافية والمادية والتاريخية لمجتمعات أخرى.

لا شك أنّ الكثير منا يتعاطى بعفوية مع مطالب حقوق الإنسان، ولا شك أن البشرية قد حققت قدراً كبيراً من الكرامة والأنسنة من خلال مجهودات وتضحيات المناضلين في حقوق الإنسان، إلا أننا نحتفظ لأنفسنا بمسافة نقدية أمام هذا التسليم العاطفي والسهل للكثير من القيم البرّاقة، ولكنها تحمل في طياتها تهديدات متصاعدة لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ذلك أن التسليم لحقوق الإنسان على أنها استجابة طبيعية للفطرة الإنسانية والحتمية الطبيعية فيه الكثير من المغالطات، فما يبدو اليوم طبيعياً قد يتغيّر بعد فترة بسبب ظروف وسيرورات اجتماعية مختلفة، لأن كل المجتمعات مهما بلغ تطورها وازدهارها، تخضع بشكل مقصود أو عفوي إلى أحداث وسياقات تضعها أمام واقع تعتقد أنه الحقيقة المطلقة، بينما ليس إلا انعكاساً وتشكلاً للسياق السوسيوثقافي والسوسيو اقتصادي الذي تعيش فيه، وهذا ما يفرض علينا الإجابة عن التساؤلات التالية: هل معرفتنا الحالية بجوهر الطبيعة الإنسانية كافية لاعتبار الحقوق المشروعة وفقاً لمنظور حقوق الإنسان حتمية طبيعية؟ وهل يمكن الحديث عن فهم لطبيعة بشرية تتجاوز الضغوطات والسياقات الاجتماعية؟

في الحقيقة الإنسان في حد ذاته منتوج اجتماعي، فهو ليس حرّاً كما قد نتصوّر، بل يخضع لجملة من الإكراهات والضغوطات التي تتأرجح ما بين التحفيز والقهر، كي تصقله وفق النظام الاجتماعي السائد، لذلك تسهر عدّة مؤسسات رسمية وعُرفية على تنشئته منذ الولادة كي تعيد إنتاج نفس القيم والمرجعيات المعتمدة في نظامها المجتمعي، لتضمن اندماجه من دون تمرّد وإنكار. هذا يجعل من الصعب التّسليم من جهة بأن الفرد حرّ ولا يخضع للمجتمع. أما من جهة أخرى، فمن الصّعب التسليم بأن المجتمعات تمر بنفس المسار، و بالتّالي تخضع لنفس المرجعية، لأن لكلّ مجتمع تجاربه الخاصة وخصائص تميزه عن الآخرين، مما يجعلنا نقول أننا لسنا أمام حتمية طبيعية ولا بيولوجية، بل نحن أمام حتميّات سوسيوثقافية.

فالرجل لا يولد رجلاً، بل يولد مولوداً يقوم المجتمع بصياغته كرجل، والمرأة لا تولد امرأة بل يقوم المجتمع بتنشئتها لتصبح امرأة، وبذلك الرجولة والأنوثة منتوجان اجتماعيان، تختلف متطلباتهما من مجتمع لآخر. كما أنّ الأدوار الوظيفية المنوطة بكل منهما تتميّز بحسب طبيعة المجتمع وثقافته.

وكلّما تعدّدت وتنوّعت مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تساهم في بناء الفرد وتكوينه، تنوّعت سلوكياته وتباينت لدرجة التناقض أحياناً، خاصة في المجتمعات الحديثة التي باتت تعاني من الفردانية التي تهدد المجتمعات بالتفكك، خلافاً للمجتمعات التقليدية التي تشهد نوعاً من التماسك والتضامن المجتمعي السائد.

من هنا يصبح من حقّنا مساءلة سعي المجتمعات الغربية لفرض تعميم أحكام أخلاقية وليدة سياقاتها الاجتماعية المادية والتاريخية، والتي تعبّر عن ثقافتها الخاصة على كل المجتمعات، في حين أن البشرية تزخر بثقافات متنوعة وليدة معاش كل مجتمع وتجاربه الخاصة.

لذلك يجب أن نخضع منظومة حقوق الإنسان لنفس المساءلة، لأنها - جزئياً - ما هي إلّا منتوج لمجتمعات غربية تستغل تفوّقها المادي لفرض مفاهيمها الخاصة وأخلاقها المتجرّدة، فكما أن التاريخ يكتبه المنتصر فالقيم الكونية في الغالب ما هي إلّا تعبير عن هيمنة وسيطرة المجتمعات المتغلّبة. والمطلوب ليس رفض كل ما يأتينا من الغرب من قيم وأفكار تمثّل تصوراً للكون ونظماً معيشية للتكيّف معه بما في ذلك المصلحة العامة للبشرية ومواجهة الأخطار والتهديدات القائمة والمحتملة، وإنما مناقشتها وعرضها على المصلحة العامة لمجتمعاتنا، كي لا تصطدم مع قيمنا المرجعية وثقافاتنا المتجذّرة.

وكمثال على ذلك، اجتهدت المجتمعات والنظم الغربية منذ عقود من الزمن في المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة، بعدما كانت لا تعتبرها إنساناً كاملاً، إلا أنّ المطالبة لم تتوقف عند افتكاكها للحقوق الأساسية التي ترفع عنها الهيمنة الذكورية، بل تطّور الأمر حتى صارت تطالب بفصل الإنجاب عن الأمومة، لتشكّك بل وترفض اعتبار الأدوار الوظيفية والواجبات الملازمة للأمومة حتمية بيولوجية طبيعية لما بعد مرحلة الإنجاب والولادة، فكيف يمكننا التعامل مع مثل هذه الأفكار الهدامة ونحن لم نستطع بعد تجاوز قيم المثلية التي تفرض نفسها فرضاً على المجتمعات العربية والإسلامية ضمن غطاء حقوق الإنسان وحرية الأفراد في التصرف بما يملكونه؟، وكأنّ الجسد قد أصبح ملكية خاصة نستطيع التصرّف به كما نشاء، سواء بتغيير الجنس والانتقال من نوع لآخر أو الحق في الإجهاض ووضع حد لحياة بريئة.

هذا المثال يبيّن بوضوح التحوّل والتبدّل الطّارئ على قيم حقوق الإنسان، بحيث تستعمل العناوين الكبيرة الجذابة لبث السموم والدمار في البشرية، من خلال توسيع دائرة السلوكيات التي تدخل ضمنها، فالحرية كقيمة جميلة وجذابة ولكن من غير المعقول تركها من دون ضوابط أخلاقية، حتى تتحوّل إلى جملة من الاعتداءات الصارخة على قيم الآخرين ومعتقداتهم، بحجّة أن القيم الدينية والتقليدية لم تعد صالحة لتسيير هذا الإنسان المغرور، الذي يريد أن يطلق العنان لغرائزه بعدما اعتقد أنه سيد الكون، لم يعد في حاجة للدين لتأطير وجوده، ولم يكن درس "كورونا" كافياً لإقناعه بضرورة الحد من غروره، بعد أن حبست الجائحة 3 مليارات إنسان في بيوتهم بانتظار الخلاص، وسادت الشكوك في قدرة التطور العلمي الطبي على حلّ معضلتها.

فكلنا يلاحظ كيف تطورت نظريات الجندر لتفتح الباب واسعاً للمثلية، فبعد أن كانت مجرد خطابات دعائية للمجموعات النسوية التي تبنّت قضيتها، تطور الخطاب تدريجياً لتتبناه أطر أكاديمية تشكّلت في نظريات قائمة بذاتها، تطرح مفاهيم نظرية جديدة تؤسّس لمفهوم النوع عِوض الجنس، كي تسمح للمرأة بالتخلّص من الصورة النمطية التي علقت بها منذ بداية البشرية، بسبب التأويل السلبي للكتب السماوية والتشريعات الدينية والأعراف السائدة، وتطويعها للإبقاء على هيمنة المجتمع البطريركي الذكوري.

وهذا لا يعني رفض تفحّصها ومناقشتها كي تسهل عملية التجنّي على المرأة واستعبادها بمنطق ذكوري مهيمن، ولكن لا يمكن الخروج عن الطبيعة البشرية التي رسمتها الديانات السماوية بحجة اعتقاد الإنسان ببلوغه درجة العظمة والسيادة.

ولعل إطلالة بسيطة على الإحصائيات المرتبطة بما يحدث في المجتمعات الغربية من انهيار وتفكك وأزمات أخلاقية متعاقبة، تبيّن بالحجة أننا لسنا بالضرورة أمام بلوغ مرحلة كشف الطبيعة الإنسانية حتى نجعل من المعرفة الإنسانية الحالية والقيم التي تولّدت عنها حقيقة نهائية وقواعد ثابتة لا بد لكل المجتمعات أن تلتزم بها.

من هنا كان لزاماً تبنّي مقاربة نسبية لحقوق الإنسان، بوصفها تشكّلات اجتماعية - أي منتوج لسياقات اجتماعية تاريخية معينة - أقرب للحتمية السوسيوثقافية منها للحتمية الطبيعية، وبالتالي نحن مطالبين برفض تعميم قيمٍ ما هي إلا أحكام أخلاقية لثقافات مجتمعات محدّدة لا تراعي السياقات الثقافية والمادية والتاريخية لمجتمعات أخرى.

عن الميادين
24/11/2022




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com