عودة الى أدب وفن

فيروز: ذاكرة وطن وشعب - رياض خطيب


في أواخر الثمانينات طرحت فكرة ترشيح فيروز للحصول على (جائزة لينين العالمية لتعزيز السلم بين الشعوب). وكان عملاق النقد الموسيقي العربي واللبناني نزار مروة صلة الوصل بين فيروز واللجنة العالمية المانحة للجائزة عن طريق سلافا ماتوزوف أحد مسؤولي العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي السوفييتي في ذلك الحين.

تحدث نزار مع فيروز وأخذ موافقتها حول الموضوع إلا أن الجائزة اخذت تلفظ أنفاسها في تلك الفترة مع تصاعد الأزمة التي كان يعاني منها الاتحاد السوفياتي، والتي أدت الى انهياره وتفكيكه ولكن الفكرة كانت موضع ترحيب سوفييتي واسع.

كانت الملكة فيروز تحتل مكانة مرموقة ومميزة في الغناء العربي ووطنها لبنان ومن خلال مدرسة رفاق دربها الاخوين رحباني كانت تجسيدًا لعالم فني ينطق بأرقى القيم الموسيقية الحديثة ونبع لا ينضب من الخصائص اللبنانية التراثية، حتى تحولت إلى لسان شعب ورمز لوحدته الوطنية. غنت فيروز وأبدع الرحابنة أجمل الأغنيات لوطنهم وأجمل أحاسيس الإنسانية. غنت للكرامة والعزة الوطنية وللحرية وغنت وبشكل مميز من أجل حرية الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة قضية الأمة العربية ومن أجل تحقيق حلم العودة، وكل ذلك من خلال أجمل الاغاني والكلمات النبيلة فأصبحت أغانيها ذاكرة لكل ما هو نبيل ونقي ولكل ما يطمح له الانسان العربي الأصيل. وكما الراحلة ام كلثوم فكذلك فيروز لها مكانة مميزة بالصدارة في ميدان الإبداع والفنون وعلى الأخص في ميدان الغناء.

وتخطت السيدة فيروز الحدود الفنية المتعارف عليها لتتحول الى اشارة ورمز يعكس عالما فنيا نزيها وذاكرة صوتية راقية تشع بالمضمون الطليعي المتميز، حلقت شهرتها وسكنت في ضمير الملايين من أبناء لبنان والعالم العربي والانسانية الحرة.

ولدت فيروز عام 1935 بإحدى ضياع جبل لبنان الجميلة. نبض لديها الاحساس الفني منذ صغرها من خلال جوقة المدرسة واكتشف استاذها هذه الموهبة الفذة لديها حتى اواخر سنوات الاربعينات. تعرفت على الاخويين عاصي ومنصور رحباني فكان هذا اللقاء والتعارف بداية لتأسيس واحدة من اهم الظواهر الموسيقية في العالم العربي وما أطلق عليها فيما بعد الظاهرة الرحبانية.

استطاع الرحابنة ومنذ البداية اكتشاف عبقرية صوت واداء السيدة فيروز صاحبة الصوت المميز ذي الجرس والرخامة غير المسبوقة. فكانت محطتها الأولى المهمة "عتاب" اغنية امتزج فيها التراث اللبناني مع حرية وآفاق تلحينيه وخيال موسيقي غير مألوف في ذلك الوقت، ومن هنا وضعت الموسيقى الرحبانية ترسم افاق انطلاقها بالنص والتلحين والغناء الفيروزي.

وفي عام 1954 تزوج عاصي الرحباني من نهاد حداد " الاسم الحقيقي لفيروز وفي عام 1955 سافر الرحابنة مع فيروز حيث تم تحقيق اهم حدث موسيقي عربي انذاك هو مغناة "راجعون" المكرسة لنضال الشعب الفلسطيني ومن اجل تجسيد حق العودة الى ارضه ووطنه.

بالإضافة الى البعد السياسي لهذة المغناة فهي عمل موسيقي عظيم في بنائه الفني وكتابته الجديدة للاوركسترا والكورس ولصوت فيروز الذي أبرز الكثير من خصائصه المميزة وبعده الغنائي والموسيقى.

بعد "راجعون" اصبحت بعلبك واعمدتها التاريخية الخالدة محطة للإبداع والاشراق الفني لفيروز والرحابنة، فكانت البداية اغنية "لبنان يا اخضر حلو" ومنذ تلك اللحظة تعود الرحابنة وفيروز على اهداء بعلبك ومعابدها الرومانية عملا مسرحيا غنائيا كل عام وهي بذلك فجرت ريبرتوار بالموسيقى العربية تجسد في اجمل المسرحيات الغنائية المهمة والاساسية امتدت ما بين عام 1957 حتى عام 1973. تالقت فيروز كنجمة لهذه الابداعات من المسرح الغنائي المستوحى من تقاليد الموسيقي العربي الكبير سيد درويش، واستمر العمل من خلال مسرح العاصمة بيروت بحيث قدمت فيروز اجمل ابداعاتها وصل الى ذروة الاتقان الموسيقي والغنائي وبقيت فيروز دوما في محور هذا الاتقان والابداع ونجمة المواسم الحاضرة.

ومع مرور الزمن اصبحت الملكة فيروز والرحابنة محورا وركيزة اساسية للغناء والفن العربي الاصيل من خلال ما تم إنجازه من أعمال مسرحية غنائية، هذه الابداعات التي انطلقت من الانماط التي تكونت من خلالها الاغنية العربية (المصرية). وبعد توقف وتراجع الاغنية المصرية كان الرحابنة وفيروز هم افضل من اكمل هذه المسيرة، وتحولوا الى مصدر الهام واشعاع لهذا التراث الموسيقي الاصيل وتحولت المدرسة الرحبانية وصوت فيروز الى باعث روح الحياة والنهضة لهذه المدرسة. صوت فيروز يقدم الاغنية اللبنانية في إطار تعبيري باهر وصياغات موسيقية تطل على ما هو اقرب الى الابتهال والمناجاة العقلانية النبيلة الراقية.

رحل الرحابنة وبقيت فيروز زهرة تشع رحيقها ومسكها الى اجيالنا القادمة لعل وعسى من يهتدي الى طريق الابداع الرحباني الفيروزي لينثر الحب والفن والابداع والاصالة على ارضنا العربية.

وحتى ذلك نتمنى للملكة فيروز كل الخير والصحة والعافية وستبقى بصوتها الساحر تعيش معنا الى أبد الدهر.

عن الاتحاد
23/11/2022




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com