عودة الى أدب وفن

الناصرة.. يومان برفقة ميّ زيا - ناجي ظاهر


مع صدور الترجمة الفرنسية لكتاب "ظلمات واشعة" للكاتبة مي زيادة ابنة مدينة الناصرة التي عاشت فترة قصيرة في لبنان وقضت بقية عمرها في القاهرة مديرة صالونًا ادبي ملأ الدنيا وشغل الناس

تقرير: ناجي ظاهر

ندخل القاعة الأرضية الصغيرة القائمة في الدور الأول من مبنى بيت الكرمة، في مدينة حيفا. بعد أن قطعنا الطريق الواصل بين مدينتي الحبيبة الناصرة ومدينة حيفا، جميلة البحر، نحن مجموعة من الكتاب والمهتمين المعنيين، الدكتور أسامة مصاروة من مدينة الطيبة الواقعة في منطقة المثلث، خالد عوض الباحث في الفلكلور والادب الشعبي، كاتبة ادب الأطفال السيدة زينة الفاهوم وانا كاتب هذه السطور، ترافقنا السيدة ياسمين مخلوف من المعهد الثقافي الفرنسي- فرع الناصرة، أما المناسبة فهي صدور الترجمة الفرنسية لكتاب "ظلمات واشعة" للكاتبة مي زيادة ابنة مدينة الناصرة التي عاشت فترة قصيرة في لبنان وقضت بقية عمرها في القاهرة مديرة صالونًا ادبي ملأ الدنيا وشغل الناس.

صدرت هذه الترجمة عن دار النشر الفرنسية "لارنتا" وقام بها السيد سمير بالحمرة، وها نحن نستعد للبدء في الأمسية الأولى للاحتفاء بصدور هذه الترجمة في مدينة حيفا، على أن نشارك في أمسية أخرى مماثلة في اليوم التالي في مدينتنا الناصرة مسقط راس مي زيادة الأول. ندخل القاعة فيستقبلنا القنصل الفرنسي في البلاد السيد ستيفان توليه، إضافة إلى اليسا لافو مسؤولة المهمة الثقافية في المعهد الثقافي الفرنسي - فرع حيفا. نحن نعرف أن الاحتفال بصدور تلك الترجمة الفرنسية لكتاب مي زيادة، تمّت بالتعاون فيما بين معهدي الناصرة وحيفا الفرنسيين. عندما دخلنا القاعة كان في استقبالنا أيضًا عدد من الضيوف بينهم الكاتب يوسف أبو خيط من الطيرة، عرفنا فيما بعد انه جاء برفقة الأخ أسامة مصاروة لحضور الأمسية. قدمتنا مرافقتنا ياسمين مخلوف معرّفة بكل منّا إلى الاخوة المستقبلين، وكان همّي الأول هو أن اتعرّف على الأخ مترجم الكتاب إلى الفرنسية، وها أنا أسال إحدى الحاضرات عمّن يكن المترجم.. وها أنذا، أتلقى الإجابة الفورية، يمد شخص بهيّ الطلعة شاب النظرات يده نحوي، فأمد يدي إلى يده الممدودة، نتصافح. أعرف منه أنه هو مترجم الكتاب، يقول: أنا من الجزائر. أعيش في فرنسا، ويشير إلى مَن سألتها عنه قائلًا وهذه زوجتي نور اليقين، هي أيضا ساعدتني في ترجمة الكتاب، وقّدمت لي كل ما احتجت له لإنجاز مَهمة الترجمة. تبتسم زوجته ضمن إشارة رضا وتقدير.

في السابعة والنصف يفتتح راعو الأمسية شبابيكها وأبوابها بكلمات دافئة مشجّعة ومشيرة إلى أهمية التواصل بين الشعوب عبر الترجمة والتعارف المباشر. ويتتالى المتحدّثون، القنصل الفرنسي، اليسا من معهد حيفا الفرنسي، فيما تقدّم ياسمين مخلوف المتحدثين بكلمة مقتضبة، طالبة من كل منهم أن يتخذ موضعه على منصة الاحتفال. تُفتتح الأمسية بمداخلة يقدّمها مترجم الكتاب، فيما تقوم زوجته المرافقة بترجمتها إلى العربية. يستفيض المترجم في استعراضه قصة محبته واهتمامه بكتابات مي، خاصة كتاب ظلمات واشعة ذي العنوان المعبر عما تضمنه من أفكار.. معاني واشارات، متوقفًا عند العديد من فصول الكتاب، ويلخص دافعه إلى ترجمة الكتاب قائلًا انه جاء إضافة الى معزة خاصة لمي وابداعها الادبي من أجل اطلاع الفرنسيين على كتاب يستحق الاطلاع والاهتمام، لما اتسم به من رؤية ثورية تدعو إلى تحرر المرأة العربية والتعامل معها إنسانا ذا وجود وحقوق، مستحق للحرية والاخاء والمساواة ( شعار الثورة الفرنسية).

يقول: أردت بهذه الترجمة أن أعيد الاعتبار إلى كاتبة مثقفة قرأت بعضًا من كتاباتها في يفاعتي وأعجبت بها، وبما أحاط بها وبما دفعها لإقامة صالون ادبي نشط حوالي العشرين عاما. وأمّه معظم كتاب مصر، أدبائها وشعرائها، وعدد من مثقفيها السياسيين. ينهي مترجم الكتاب مداخلته هذه لتبدأ مداخلة الكاتبة زينة الفاهوم، لقد اقترحنا أن تكون مداخلتها الأولى بعد مداخلة مُترجم الكتاب مدفوعين بالترتيب المنطقي، فاذا كان المترجم تحدّث عن ترجمته للكتاب، فان المنطق يقول إن استعراض حياة مي يفترض أن يكون التالي، بعدها تأتي مداخلة أسامة مصاروة عن صالون مي، وبعدها مداخلة ناجي ظاهر عن أدب مي زيادة وفي النهاية مداخلة خالد عوض عن فضاء الحب الذي عاشته مي ومحيطه المتخيل ممثلًا بأسطورة عشتار وتموز. الحب وانبعاث الربيع. تتتالى المداخلات، تقول زينة إن مي من مواليد مدينة الناصرة عام 1886. عام 1900، غادرت مع ذويها، أبيها اللبناني الياس زخور ووالدتها نزهة معمر، هناك تلقت مي تعلمها الثانوي في عينطورة. بعد أربعة أعوام انتقلت العائلة للإقامة في مصر. الوالد عمل في الصحافة، بعدها عمل رئيسًا لتحرير صحيفة المحروسة. وهو ما شجع ميًا على الكتابة والنشر. نشرت مي بأسماء عديدة مستعارة، منها شجية وعائدة والسندبادة البحرية الأولى. عام 1912 افتتحت صالونها الادبي المشهور حتى هذه الأيام. وتردّد عليه كبار كتاب العصر وشعرائه. معظم هؤلاء أحبوا ميًا وتقرّبوا منها، إلا انها كانت قد اقامت علاقة تراسلية مع الكاتب اللبناني المهجري المشهور جبران خليل جبران، تواصلت خلال ما ناهز العقدين من الزمان، حتى وفاة جبران، علمًا أن والدي مي كانا قد فارقا ورحلا قبل جبران، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن. في تلك الفترة طلب أقرباء لمي أن تعود إلى لبنان ففعلت وكانت تلك العودة القاسية في حياتها فقد ادخلها ابن عمها جوزيف زخور مصح الامراض العقلية ( العصفورية)، في محاولة منه للاستيلاء على ميراثها.

في العصفورية قضت ميّ أحلك نهاراتها ولياليها. ولم يزرها إلا القليلون من اصدقائها في مقدمتهم الكاتب امين الريحاني، وهو ايضًا مؤلف كتاب عن مي وعلاقته بها. وعندما تمكّنت من العودة إلى القاهرة، قضت هناك ولم يسر في تشييعها الى مرقدها الأخير سوى ثلاثة اشخاص من اصدقائها. وكان رحيلها عام 1941، أي بعد رحيل جبران بعقد من الزمان. عاشت مي 55 عامًا، فيما عاش جبران 48 عامًا. بعد انهاء زينة مداخلتها شرع أسامة مصاروة في تقديم مداخلته، مستعرضًا إقامة مي صالونها كل يوم ثلاثاء، وذاكرًا العديد ممن تردّدوا على صالونها، متوقفًا عند أشعار ذات دلالة وعلاقة منها للإمام الشافعي وإسماعيل صبري. بعدها أشار كاتب هذه السطور إلى تأثر مي بالأدب الرومانسي الفرنسي، لا سيما لدى اعلامه أمثال شاتوبريان والفريد دي موسييه ومدام سفنييه. وأضاف ان الادب الرومانسي، جاء تاريخيًا للثورة على التقاليد الأدبية التقليدية التي سادت الادب وابتدأ بالتشكل ضمن رؤيته الثورية، في القرنين الثامن والتاسع عشر. ونوّه إلى أن هذا الادب أثّر أيما تأثير على العديد من الكتّاب المصريين إبان القرن العشرين مشيرًا إلى مصطفى لطفي المنفلوطي صاحب "النظرات" و "العبرات" ومترجم كتابي "ماجدولين أو في ظلال الزيزفون" للفونس كار و"الشاعر" لادمون روستان، وأوضحت أن المنفلوطي لم يكن يتقن الفرنسية وأنه كان يطلب من آخرين ترجمة ما يود ترجمته عنها ليعيد فيما بعد صياغتاها بحلة عربية قشيبة ولائقة. ولخصت رأيي بالقول إن ميًّا تأثرت بالأدب الفرنسي موضحًا أن عملها الادبي الأول وهو ديوان" ازهار حلم"، كان باللغة الفرنسية. وأنها تأثرت بإقامتها صالونها بظاهرة الصالونات الفرنسية في القرنين المذكورين. كما أنها حذت حذو الكاتبة أورو دوتان في نشرها انتاجها الادبي موقّعّا باسم رجل هو "جورج صاند". واختارت اسم خالد رأفت لتوقع بها كتابات لها. وورد في كلمتي أن ميًا كانت كاتبة اجتماعية طالبت بحرية المرأة ، غير انها لم تكن كاتبة نقدية كما تبدى في الابداع الادبي لدى جبران خليل جبران وحتى عندما وضعت كتابها عن ملك حفني ناصف- باحثة البادية، تمحورت في الإشارة والتحبيذ ولم تتجاوزهما إلى النقد كما فعل جبران عندما شنّ غاراته النقدية المعروفة على رجال الدين وموبقاتهم مثلّا. ولخّصت رأيي بالقول إن كتابات مي نحت منحى الكتابة الذاتية الخفرة، ولم تتجاوز الخاطرة والسانحة، الامر الذي حدّ من الاهتمام بها كاتبة واستدعى تسليط الضوء عليها ناشطة اجتماعية ثقافية. مداخلة خالد عوض تضمّنت مقارنة بين واقع مي مع المحبة وبين العالم البعيد القريب.. عالم عشتار وتموز.. ذلك العالم الرائع، المولّي والباقي.

الجمعة 4- 11-2022

ساعات المساء. ها نحن نلتئم، كل من سبق ذكرهم، في قاعة استقبال المعهد الفرنسي- فرع الناصرة، لننطلق في الساعة الخامسة لزيارة البيت الذي أقامت فيه مي زيادة برفقة أسرتها في سوق البلدة القديمة من مدينتنا الناصرة، وها نحن ننطلق إلى هناك بحماس كبير لا سيّما لدى مرافقينا الفرنسيين ومترجم الكتاب وزوجته الجزائريين. كلٌّ منّا يغذ السير ويحث الخطى في رغبة عارمة لزيارة ذلك البيت وللتنقل فيه من ردهة إلى ردهة ومن غرفة إلى أخرى. ها نحن جميعّا نتوقف قُبالة بيت يقوم في الشارع المحاذي للجامع الأبيض القائم في البلدة القديمة من ناصرتنا. أفاجأ. في الماضي أشار أكثر من شخص من أبناء مدينتي وبينهم مثقفون إلى هذا البيت أو ذاك، على اعتبار أنه البيت الذي أقامت فيه مي إبّان طفولتها ويفاعتها، حتى ان مرافقي أنفسهم سبق وأشاروا إلى أن ذلك البيت يقوم في منطقة عين العذراء. أما ما يحصل في الواقع هو.. ها نحن نقف قُبالة بيت سبق وعرفته حق المعرفة، وكان آخر مَن أقام فيه هو المرحوم محمد علي عبد المعطي، برفقة أبنائه الثلاثة الأصغر أمين محمد علي رئيس لجنة المهجرين القطرية، الذي توفي قبل فترة، وشقيقه فيصل صاحب محل لبيع التذكاريات السياحية.. ربطتني به علاقة صداقة حتى أيامه الأخيرة وكان هاويًا مُحبًا للفن التشكيلي غير أنه رفض أن يعرف آخرون بمحبته تلك فولّت معه، وأكبر هؤلاء الأبناء الشاعر المشهور طه محمد علي، صاحب "القصيدة الرابعة" وقصيدة "الباشق"، أحد أصدقاء العمر الرائعين، عمل في حانوته لبيع التذكاريات في شارع الكازنوفا حتى أيامه الأخيرة.

عائلة عبد المعطي قَدِمت عام النكبة من قريتها صفورية واقامت في هذا البيت، لقد زرت طه عندما أقام برفقة أسرته الصغيرة في ذلك البيت. كان هذا في سنوات غابرة. أما البيت، أقول لمرافقي الفرنسيين والجزائريين، فإنه وقفٌ ذري يعود لعائلة الفاهوم النصراوية العريقة، وقد كان ناظرو هذا الوقف يفتحون الامكانية واسعة فيما أعلم أمام العديد من الاسر والعائلات المهجّرة من قراها المحيطة ليقيموا فيها. ريثما تستتب لهم الإقامة في مدينة الناصرة، فينتقلون إلى بيوت أخرى او خاصة بهم وفق إمكانياتهم. وينطلق كل من المرافقين متجولًا في ذلك البيت، أشعر أن كلًا منهم يحاول أن يشمّ رائحة مي هناك. أما أنا فأدعي أنني شممت تلك الرائحة العطرة. الآن في هذا البيت، الوقفي الذري لعائلة الفاهوم، بإدارة الصديق عاطف الفاهوم وهو الناظر العاشر للجامع الأبيض في الناصرة ومتولى الأوقاف الذرية فيها. الآن جاء الوقت لأن تتحدث مرافقتنا زينة الفاهوم، تتوجّه إلى مرافقينا قائلة:

أتذكر هذا البيت جيدًا فقد زرته أكثر من مرة. هذا السقف، وتشير إلى سقف مغطى بشوادر أو ما شابهها، كان مفتوحًا... وكان سكان البيت يرون عبره القمر في ليالي الصيف الصافية. وتصطحب زينة مُرافقنا الجزائري، تقول له: هذا السقف ذو الجسور الخشبية المطعمة بمفصلات حديدية.. ما زال كما هو، انه أحد السقوف التقليدية في البلدة. العيون تتساءل والافواه تحاول الإجابة. قبل أن نخرج ونغادر ذلك البيت ذا الرائحة والنكهة الميّية، نسبة إلى مي، نرى حمامة تختبئ لصق إحدى زوايا سقف البيت شبه الخفيّة. تتدافع الصور إلى مخيّلتي، وأفاجأ بسؤال يوجهه أحد المرافقين الفرنسيين.. مَن هذه الحمامة فأرد من فوري هذه مي زيادة. تبتسم احدى المرافقات وأين جبران.. تسأل فنرد عليها إنه مختبئ في الناحية الأخرى. نقول هذا ونحن نفكر في ذلك الحب العظيم بين مي وجبران، عبر كم ليس قليلًا من الرسائل نُشر فيما بعد في كتاب خاص، أما عُمق الإشارة فقد تمثّل في أن ذلك الحب بقي رهين الرسائل ولم يخرج إلى النور، وقد بقي طرفاه وحيدين.. ولم يلتقيا.

بعد حوالي الساعتين، نعود إلى مبنى المعهد الفرنسي للمشاركة في الأمسية الثانية المرتبة مسبقا. لنفاجا بأكثر من مفاجأة من هذه المفاجآت، حضور طلاب ومدرّسين من مدرسة مي زيادة وآخرين من مدرسة جبران خليل جبران في المدينة وتقديم طلاب مدرسة مي الابتدائية معزوفات موسيقية تفخر بهم وبها مديرة المدرسة السيدة ديما عفيفي. كما يفخر آخرون. فكل من الحاضرين يعتزّ بأن أجواء مي وصالونها الخالد تحلّق في الفضاء الواسع الممتد. بعد انتهاء الكلمات البروتوكولية من مسؤولي معهدي حيفا والناصرة الفرنسيين، تعود أمسية الليلة الماضية، ويعود كل من المتحدثين والمشاركين لدلي بدلوه مستفيدًا من تجربة الأمسية السابقة ومضيفًا إلى دفئها. الحضور الجماهيري في الناصرة إكثر منه في حيفا. السبب هو الدعوات المكثفة، الملحة والمكررة من إدارة معهد الناصرة. هذا الحضور وبينه مثقفون ومحاضرون جامعيون مشهود لهم، يستدعي فتح باب النقاش في نهاية الأمسية، وها أحدهم يوافق على ما ذهبت إليه من أن مي كانت كاتبة اجتماعية لم تتجاوز كتاباتها الخاطرة والسانحة غير أنه يتقاطع معي مدعيًا أن ميًّا شكلت ظاهرة فريدة وغير مسبوقة في الثقافة المصرية، عندها لا يكون أمامي إلا أن أذكره بالثائرة هدى شعراوي التي التقت بها مي وتعلّمت منها درسًا في التحرر، وبباحثة البادية التي أحبتها مي وسارت في طريقاها. أستاذ جامعي آخر يدعي أن الكتابة العربية المصرية في فترة مي لم تعرف القصة والرواية، وتوقفت على المقالة الأدبية الخاطرة والسانحة، فاذكره بالكاتبين محمد ومحمود تيمور ومحمود طاهر لاشين وغيرهما من رواد كتابة القصة الذين سبقوا ميًّا وعاشوا قبلها. بهذه الكلمات تنتهي الأمسية وتنتهي امسيتان تعيدان ذكرى إحدى بنات الناصرة العظيمات وتحفران عميقًا في أرض الذاكرة وسماء الانتماء.

عن الاتحاد
9/11/2022




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com