عودة الى أدب وفن

شهادة عن أدب نجيب محفوظ - أمير تاج السر


قبل الحديث عن أدب محفوظ، أو تأمل الأدب العربي عامة، ذلك الأدب المقموع دائما بسلطات استعمارية، أو لنقل ديكتاتوريات ثقافية، تجيز هذا ولا تجيز ذلك، ذلك الأدب يعتبر جديدا، لكن ليس جديدا تماما، إنها جدة عمرها حوالي قرن من الزمان، أو أزيد، منذ ظهرت بواكير الكتابة الروائية العربية، التي يقال إنها برواية «زينب» للمصري محمد حسين هيكل، وهي رواية رومانسية نشرت عام 1913، وأهل الشام يتحدثون عن أحمد فارس الشدياق، وآخرون يذكرون أسماء أخرى لا أستحضرها. المهم أن هذا الأدب مشى كثيرا في دروب الآداب، كثيرا جدا، وفيه تجارب مضيئة مثل تجربة توفيق الحكيم، ويحيى حقي، ثم نجيب محفوظ وفتحي غانم، وإحسان عبد القدوس، وعبد السلام المجالي، والمسعدي، والطيب صالح وأبوبكر خالد، وسهيل إدريس، وكثيرون لا نستطيع عدهم، وكان دائما أدبا كاشفا أو معرفيا، كل منحنا شيئا من بيئته ومجتمعه الذي يخبره، وبعضهم ربطنا بمجتمعات أخرى عاش فيها زمانا، كما نجد في تلك الروايات المعروفة التي ربطت الشرق بالغرب، وتم تناول عوالمها كثيرا في دراسات موسعة، وشخصيا أعتبر الأدب العربي إلى جانب تنوعه، ماكرا وشديد المهارة في اصطياد الذائقة القرائية، لكن معوقات كثيرة حالت دون تسيده لآداب العالم، كما ذكرت.

أتحدث الآن عن أدب نجيب محفوظ الذي لن ينكر أحد أبدا، أنه هو من يجب ذكره أولا حين نتحدث عن الرواية العربية، أنا لست ناقدا لأتحدث مفصلا عن رؤية نجيب محفوظ الفكرية والجمالية من خلال أعماله الكثيرة المتشعبة، لكن مجرد حديث بالإحساس عن ذلك المنجز، الذي نعود إليه دائما، في لحظات الإحباط والعجز، بوصفه بيتنا الروائي المشيد بمهارة، وأيضا منجزنا العربي الذي قادنا إلى جائزة نوبل الأدب، أهم جوائز الكتابة الإبداعية على الإطلاق.

لقد عاصر نجيب محفوظ أدباء كثيرون لهم مكانتهم وجمال حكاياتهم، بعضهم كان موجودا حين ظهر، وبعضهم جاء معه أو بعده، فما الذي جعل محفوظ ملكا تحييه القامات حين يشق مواكب الكتابة، ويتزاحم على الجلوس معه أو حضور ندوته الأسبوعية التي كان يعقدها، كل من خط حرفا على مدى سنوات طويلة، حتى في سنواته الأخيرة، كان أهم ما يفعله الأدباء الزائرون لمصر، محاولة لقائه، والتقاط الصور معه، ونشرها؟

سأتحدث عن التقاط ما يجب التقاطه من محيط الكاتب، من أجل صناعة الرواية، فالقارئ المتتبع لأعمال نجيب محفوظ، يحس أن الكاتب ناب عنه تماما في تصويره للحياة اليومية في حارات مصر في زمن ما، ناب عنه حتى في حضور كثير من المناسبات التاريخية التي لم يحضرها بالفعل، ولم يكن ليتصور كيف كانت، مثلا في رواية مثل «خان الخليلي»، ستجد نفسك داخل تفاصيل ليست زائدة ولا ناقصة، في قصة الحب كما يجب أن تكون قصص الحب، وصراخ الحارة وفوضاها كما يجب، حتى الحزن على موت الشقيق، كان جيدا ومرصوفا هناك بدقة. هذا نوع من الكتابة اللاقطة، التي لا تغفل شيئا مطلوبا، وفي الوقت نفسه، لا تتحيز له وتمنحه أكثر مما يستحق، كتابة المعنى المبني على أسس، وفي قياس معنوي متقن.

كذلك في «ثرثرة فوق النيل»، حكايات السياسة والثقافة والمكر الاجتماعي داخل عوامة على النيل، لقد رأيت عوامات وجلست في بعضها، وفي كل مرة أتذكر تلك الرواية الخالدة، رواية «الكرنك»، والثلاثية الشهيرة، وحتى نهايات الكتابة في أصداء السيرة الذاتية والأحلام الحداثية جدا، تجد العنفوان نفسه، كتابة دائما في ريعان الصبا، وكامل الفتوة الإبداعية، ولطالما عرفنا كتابا شاخت كتاباتهم بمجرد أن شاخوا، وتحدثت مرة عن ذلك في مقالات عدة، حتى الكاتب نفسه لم يغير نهجه كما أعرف، خطوات محسوبة في المشي، مقاه معينة لا تتغير، أصدقاء بعينهم، يجلسون معه، وأظن ساعات محددة للكتابة يوميا، لينتج لنا ذلك الأدب البسيط العميق، ونعرف جميعا أن الأدب كلما كان خاليا من التعقيد، كان مخلصا في طرحه للقضايا، وسيظل خالدا يجد قارئه في كل وقت، ونعرف أن أدب محفوظ من الآداب الأكثر رواجا الآن، كل جيل ينغرس فيه، ويحبه ويسلم راية الحب للجيل الذي بعده، ودائما ما توجد طبعات جديدة من تلك الكتب، ولا غرابة أن الثلاثية التي كتبت منذ عهد بعيد، ما زالت نشيطة في السعي داخل أذهان غرباء القراءة وأقاربها على حد سواء، ومنذ فترة قصيرة، أعدت قراءة «اللص والكلاب» وهالني ذلك الشعور بالاطمئنان الذي أحسست به، لا أعرف لم هو كذلك، لكن ربما الاطمئنان على أن كتابة ما أضحت خالدة.

لقد كنت وما زلت أشير، في المشاركات التي أقوم بها مع كتاب في أول الدرب، أن الكاتب ينبغي أن لا يكون كاتبا وقتيا، يقول كلمته في مناسبة ما، ثم يمضي إلى النسيان، مثل أن يكتب أحدهم رواية عن إعصار تسونامي، أو وباء كورونا، أو قسوة الفيضان في أرض ما، يحشد في تلك الرواية ما يقدر عليه، ثم لا يعتني بعد ذلك بأي مستقبل كتابي، ويمضي إلى أشغال أخرى، ولدينا أمثلة كثيرة لكتاب فعلوا ذلك، بعضهم بقي عمله الذي كتبه في الأذهان مثل «موبي ديك» و»الحارس في حقل الشوفان»، وبعضهم لا يذكره أحد.

الكتابة كمشروع تلغي كل تلك الأعطال الناجمة عن تذوق العمل الواحد أو الأعمال القليلة، أيضا تسعى بالكاتب مع استمرارية الكتابة إلى تكوين بصمته الخاصة التي سيعرف بها في ما بعد، لكن كيف تكتب خلال مشروع؟ وهل بالضرورة أن تكون وراء هذا المشروع رؤية فكرية أو فلسفية؟

لا..

أعني هنا أن تكون الكتابة شاغلك، تخصص لها وقتا، تكتب وتكتب بلا أي نظرات جانبية للمستقبل، وقد كان نجيب محفوظ يملك مشروعه الذي أخلص له وبالتالي كون بصمته، وكون مدرسة خاصة مؤهلة لأن تكون من مدارس العالم المبدعة، كان نجيب محفوظ، يكتب بشكل يومي، لا أعرف إن كان ذلك في مكتبه في بيته، أم في مكان آخر، والمرجح أنه في بيته، حيث يمكن أن تتم العزلة بنجاح، يكتب لساعات محددة، يكتب عددا محددا من الصفحات، لكن صفحات مخلصة ومبدعة، قد يدخن أثناء التفكير، قد يتمشى قليلا، قد يلقي نظرة على الطريق، لكن وقت الكتابة هو وقت الكتابة، ولأن لا أحد سيصبح نجيب محفوظ بالتحديد، ولا أحد من الكتاب ينبغي أن يشبه آخر، سنجد كتابا يحبون الكتابة بفوضى تامة، يكتبون في المقاهي، وصالات الفنادق المزدحمة بالصخب، والمحصلة، الحصول عل كتابة وفق مشروع لن تهم نتائجه، أي لا يهم إن أعجب أحدا أم لا؟ وإيصالا للمعنى أردد دائما في ورش الكتابة التي أشرف عليها، ويرتادها كتاب في سبيلهم ليصبحوا كتابا، إن الحياة نفسها مشروع يجب إتقانه، بتلافي الإحباط والكآبة، الحب مشروع يجب الإخلاص له، وإلا تفتت، التنفس مشروع يجب أداءه جيدا من أجل توسعة الرئتين، هكذا.

كاتب سوداني
عن القدس العربي
18/10/2022




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com