عودة الى أدب وفن

خليل السكاكيني: النضال على جبهات اللغة والتحرر الوطني - رانية الجعبري


بين النضال الوطني التحرري، والعمل على تطوير اللغة العربية، مضت حياة خليل السكاكيني. في الذكرى الـ69 لوفاته، ماذا تعرفون عن الأديب والمفكّر الفلسطيني الطليعي؟

يقول أبو تمّام:

السيف أصدق إنباءً من الكتب            في حدّه الحدّ بين الجِدّ واللعب

فماذا لو استحال القلم سيفاً؟ سيفاً يكشف ويوضح وينشر الوعي، خاصَّةً أنَّ معاركنا، منذ ما يزيد على الـ80 عاماً، إنما كانت على جبهات الوعي.

يعود التراجع الحاصل في دور المثقفين والأدباء في بلادنا إلى عزلهم عن محيطهم، عندما تبنّى أدباء كُثُر منطق فصل الثقافة والأدب عن السياسة.

عند تتبُّع حياة الأديب والمربّي العربي الفلسطيني خليل السكاكيني (1878-1953)، نقرأ صفحاتٍ من حياة الأدباء الذين كانوا يرون أنفسهم فاعلين في بلادهم وأمتهم العربية، ويؤمنون بأنَّ جماليات اللغة ترتبط بأسس التطور، ساعين إلى بناء الأمة بمنطق الجَمَال.

بين اللغة والوطن وروح التجديد

من أبرز ملامح النضال بالوعي عند خليل السكاكيني لعبه دوراً مهماً في تأليف الكتب المدرسية، في مرحلة ما قبل النكبة. كان هذا المربّي رائداً في كتابة النثر الموجَّه للأطفال، في فترةٍ كان فيها الكتاب المدرسي مصدر الثقافة الأول للأولاد.

وإلى جانب أنّه من دُعاة التجديد في الأدب واللغة، فقد كان الإيمان بدور اللغة في خدمة الوطن وراء توجّهه إلى الأطفال، فنقرأ في يومياته:

"وأكبر عاملٍ في إيقاظ الشعور الوطني هو أدبيات اللغة، والمعلم الوطني لا يَعدم في أدبيات اللغة العربية ما يُثير الحماسة في نفوس التلاميذ، ويبثّ فيهم الحياة".

إنَّ المتتبّع لحياة السكاكيني، وغيره من أدباء فلسطين في تلك المرحلة، يجد بأنَّ الكثير من الأدباء حينها كانوا يسخّرون معارفهم لأجل قضايا التحرر الوطني، وهذا ما يميّز أديباً قادراً على التأثير في محيطه، عن آخر يفكّر كيف للأدب أن يجعل منه اسماً كبيراً، من دون أية غاياتٍ أخرى أكبر وأسمى من ذلك.

عرف السكاكيني جيداً الفارق بين السياسي والأديب، لكنّه مارس السياسة بما يخدم الأدب والوطن، إدراكاً منه لدور الأديب في القضايا الوطنية والتحررية، وأثر الوعي في الأدب واللغة.

وفي سياق حديث "الموسوعة الفلسطينية" عن التحاق كثيرٍ من الأدباء والمثقفين بالثورة العربية على الاحتلال العثماني، فإنّها تشير إلى أنَّ خليل السكاكيني وضع نشيد الثورة، الذي ظلَّ على مدى العشرينات من هذا القرن النشيد الوطني الفلسطيني.

عرف السكاكيني جيداً الفارق بين السياسي والأديب، لكنّه مارس السياسة بما يخدم الأدب والوطن، إدراكاً منه لدور الأديب في القضايا الوطنية والتحررية، وأثر الوعي في الأدب واللغة.

ونقرأ في يوميات السكاكيني، وتحديداً في العام 1918: "أنا لستُ من رجال السياسة، ولكنَّني عربيٌّ قبل كلِّ شيء. ويهمّني، بل من واجبي، أن أسعى في إنهاض هذه الأمة التَّعسة، وإقالتها من عثرتها. كنتُ قبل اليوم أحسَب أنَّ وطني القدس، وأما اليوم فقد خرجت من سوريا إلى البادية إلى مصر إلى فلسطين، فوطني العربي يشمل كل البلاد التي يتكلم أبناؤها بالعربية... وما أسهل أن تُوَحَدَّ كلمتنا، وما أسهل أن نحيا كأمةٍ واحدةٍ".

وإلى جانب العمل على نهوض الأمة العربية، عمل السكاكيني على تطوير اللغة العربية، فدعا إلى التحديث، وكان يدعو إلى مراعاة الاقتصاد في التعبير، لأنَّ من مظاهر التطور أنَّ الناس أصبحوا يميلون إلى الاقتصاد في الكلام.

طمح السكاكيني إلى تحرير اللغة العربية من قيود الماضي، بذات القَدر الذي كان يدعو فيه إلى تحرير وطنه العربي الكبير من قيود الاحتلال، فصبغت الحرية كلماته، ومشاريعه الأدبية، ومطالبه الوطنية.

عندما كانت الهوية عربية

عندما كان الهمّ العربي واحداً، قبل أن تُفتت الكراهية والنعرات أبناء هذه الأمة، كان الأجداد يتلمّسون طريقهم في ظلمات الاحتلال، فيلتقون على أمل العروبة.

وكان السكاكيني من أبرز المفكّرين العرب الذين نادوا بالعلمانية، لأنّهم رأوا فيها الخلاص من الغُربة الدينية. فوجدوا في العلمنة مساحةً تجمعهم مع إخوتهم في الوطن العربي الكبير.

يقول عن نفسه: "كنت مولعاً بالصلاة والعبادة وقراءة الإنجيل"، ويُكمل: "أكثر الناس لا يفهمون من الدين إلا ظاهره، ولا يتمسّكون إلا بقشوره، وأما روح الدين فقد تنوسي أمرها. ولعلَّ ذلك لأنَّ روح الدين دقيقةٌ جداً لا يدركها إلا الأذكياء، وصعبةٌ جداً لا يحافظ عليها إلا الأقوياء. والإنسانية لم تتقدّم إلا بهؤلاء الذين يفهمون الروح".

يتّضح ممّا سبق من كلام السكاكيني أنّه لم يكن انقلابياً على دينه بعلمانيته، إذ لا يمكن تجاهل الأثر الثقافي والفكري للمسيحية في منطقة بلاد الشام، بل في العالم العربي ككل، لكنّه هنا يتحدّث عن دور الدين في صوغ الهوية، ومن هنا تمكّن من تحديد ملامح معاركه الوطنية، لتكون القضايا العروبية في مقدمتها.

دخل السكاكيني في العام 1908 صراعاً مع الكنيسة الأرثوذكسية، رفضاً منه لسيطرة رجال الدين اليونانيين عليها، فانسحب صارخاً "لست أرثوذكسياً، لا أستطيع أن أكون تحت رئاسة هؤلاء الرهبان الفاسدين المنحطّين".

وهنا لم يتمرّد السكاكيني على ديانته، بقدر تمرّده على احتلال اليونان لكنيسة الروم الأرثوذكس في منطقة الأردن وفلسطين، إبّان الحكم العثماني لبلادنا، وعندما صرخ "لست أرثوذكسياً" إنما قصد القول: أنا عربي أرثوذكسي، أريد انتزاع كنيستي من وصاية الإكليريوس اليوناني.

بقيت صرخة السكاكيني تلك تتردّد حتى زمننا هذا، الذي نشهد فيه على تآمر رجال الدين اليونانيين، الذي يتسلّمون حتى اليوم رئاسة "بطريركية أورشليم"، مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، من خلال تأجيرهم أراضي الوقف الأرثوذكسي في المدينة المقدسة بعقودٍ طويلة الأجل.

اليوم، وفي ذكرى وفاة خليل السكاكيني، لا يلزمنا استعادة أدباء أمتنا العربية بهدف الاستذكار وحسب، بل أصبح الظرف السياسي الحالي يحتّم علينا تشكيل المستقبل بالعودة إلى الماضي، وفهمه ودراسته من خلال قراءة أعمالهم وفهم نضالهم والاقتداء بهم.

إنَّ أديباً ومفكّراً مثل خليل السكاكيني، يُعدّ باباً يجب أن يُطرق في تاريخنا العربي، لمداواة الجراح الطائفية والإقليمية التي تشكّلت على مدى عشرات السنوات، ولصوغ المفهوم الحقيقي للمثقف والأديب المنغمس في همومه الوطنية.

المراجع:
- الموسوعة الفلسطينية.
- دراسات في التاريخ الاجتماعي لبلاد الشام، تحرير: عصام نصار وسليم تماري.

عن الميادين
13/8/2022




عودة الى أدب وفن



® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com