موزارت: معجزة الجمال وأسرار الموسيقى - مروة صلاح متولي


في عالم الخلود، بين عظماء وعباقرة الموسيقى الكلاسيكية، الذين ماتوا مبكراً أو عاشوا طويلاً، يبدو موزارت الأكثر شباباً. بحيويته الفائقة، ولمساته الطفولية التي لم يفقدها حتى النهاية، والروح الموسيقية الجديدة التي بثها في عصره، ولا تزال تُشع جمالاً وإلهاماً وأفكاراً موسيقية عظيمة، بعد أن داهمها الزمن، ومرت عليها مئات السنين. وفي عالم الطبيعة، وسط عناصرها، موزارت هو العصفور، إذا ما أراد الخيال أن يصوره على هيئة غير بشرية. ذلك الطائر الصغير، ضئيل الحجم، الذي لا يستقر ولا يهدأ، وينتقل مغرداً بين فروع الأشجار في خفة ورشاقة، ثم يبسط جناحيه الضعيفين ويطير محلقاً، فيبلغ الذرى التي يصعب الوصول إليها.

هكذا يوحي موزارت للسامع أحياناً، ويغريه بأن يصفه على هذا النحو، لكن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن هذا الموسيقار النمساوي العظيم، يواجه سامعه بالكثير من المتناقضات، أو الثنائيات الموجودة دائماً في فنه، كالوضوح والغموض، البساطة والتعقيد، الالتزام بتيار فني معين، والخروج عنه في الوقت نفسه. ما يجعل محاولات تصنيفه، وتأطيره بأطر محددة، ليست هي الطريقة المثلى لتناول موسيقاه. فالجمود في مواجهة ما هو ديناميكي إلى هذه الدرجة، لن يؤدي إلى شيء. كما أن منجز موزارت الموسيقي يربو على 800 مصنف، حظي بعض هذا المنجز بشهرة واسعة، واهتمام نقدي كبير، والشهرة هنا لا تعني التحقق في ميدان الموسيقى الكلاسيكية فقط لدى عشاقها، لكنها تعني الوصول بالفعل إلى الجمهور، أينما كان وأياً كان ذوقه وثقافته، وفي مختلف العصور. فمن لا يستمع إلى موزارت، فإنه على الأرجح قد استمع إلى لحن ما، أو ثيمة موسيقية من ثيماته البديعة، في رنين هاتف محمول، أو دعاية تلفزيونية، أو فيلم رسوم متحركة، أو أغنية عربية جمعت بين موسيقاه والوجدان العربي الشاعري. والبعض الآخر من منجزه الموسيقي، تتفاوت حظوظه في الشهرة والإقبال السمعي، ما بين المتوسط والضعيف، وربما كان في المجهول والمنسي من أعماله ما يستحق الشهرة أيضاً، وربما سوف ينالها يوماً ما، عندما يُعاد اكتشافه.

الموهبة الخارقة وملامح العبقرية

هذا المنجز الموسيقي الهائل، يجعل المرء يشعر بأنه يقف على أطراف عالم موزارت، بمعرفة موسيقية غير كافية. وأن عدد المقطوعات التي استمع إليها، مهما كثر، يظل قليلاً بالمقارنة مع ما لم يسمعه. على العكس من بعض عظماء الموسيقى الكلاسيكية، الذين يمكن سماع منجزهم الموسيقي كاملاً، أو معظمه تقريباً. هذه الغزارة الإبداعية، والقدرة على إنجاز كم عظيم من المؤلفات في وقت قصير، بحماس خلاّق، ما هي إلا جانب واحد من جوانب عبقرية موزارت التي تتعدد ملامحها، وتتوزع أدلتها على أعماله الفنية وسماته الشخصية. وُلد فولفغانغ أماديوس موزارت في سالسبورغ عام 1756، وتُوفي في فيينا عام 1791. أي أنه عاش خمسة وثلاثين عاماً فقط. وهو من الموسيقيين الذين ماتوا مبكراً، كأنهم أتوا إلى الدنيا ليمنحوها الألحان الخالدة، ويملؤون جنباتها بالموسيقى الباقية إلى الأبد. كمعجزة ربانية لن تتكرر، وومضة غامضة من ومضات هذا الكون. ويقال إن حاسة السمع لدى هذا الموسيقار كانت خارقة للعادة، وأنه كان يؤلف ملحناته بسرعة كبيرة بفضل الإلهام التلقائي، والخواطر الموسيقية العاجلة المتلاحقة. وأغلب الظن أن المسودة الأولى لديه، كانت هي النسخة النهائية من العمل، التي يسلمها فوراً للأوركسترا أو للمجموعة الموسيقية.

نشأ موزارت في بيت موسيقي، لأب كان عازفاً ومؤلفاً موسيقياً، مع شقيقته التي كانت تكبره سناً، وسبقته إلى تعلم الموسيقى على يد الأب، لكن ذلك الطفل الصغير تفوق على الأخت الكبرى، وعلى الأب أيضاً. بمواهبه الخارقة التي مكنته من العزف على البيانو وهو في الثالثة من عمره، ثم العزف على الكمان بعد ذلك بفترة قصيرة. وتأليف أول مقطوعاته الموسيقية وهو في سن الخامسة، وعندما وصل إلى سن الثانية عشرة كان لديه مجموعة من المؤلفات الخاصة به. ومهما يبدو الأمر عجيباً مستغرباً، إلا أن هذا هو الواقع الذي حدث بالفعل، وبه بدأت فصول الحكاية وتحققت المعجزة الجمالية الكبرى. التي اكتشف بعضها، ودفن بعضها الآخر مع صاحبها في قبر مجهول، لم يعرفه سوى نفر قليل ممن ساروا في جنازة موسيقار عظيم، مات في أوج شبابه، وانتهت حياته القاسية بموت لا يقل قسوة، بعد وقت قليل من إنجازه لأوبرا الناي السحري.

لم ينعم موزارت في حياته بالنجاح الكامل، وذاق مرارة رفض الجمهور لبعض أعماله. كما تعرض لنكبات عاطفية وأسرية، وآلمه القدر بفقد عدد من أبنائه في طفولتهم. ولم يحقق الثراء، وعرف الخيانة والغدر من بعض الأصدقاء والمقربين. لكنه على الرغم من كل ذلك، لا يعد من أصحاب المآسي الكبرى في عالم الموسيقى الكلاسيكية، وهناك من يتفوق عليه في المواجع والآلام. أما القدر فقد أنصف موزارت بعد موته أيما إنصاف، ومنحه شهرة دائمة متجددة عبر الزمان والمكان، لا يمكن مقارنتها بشهرة محدودة كان يرجوها في زمنه ومكانه. ومنحه أيضاً جمهوراً لا ينتهي، يتذوق أعماله التي رفضها يوماً عدد قليل من المتلقين، الذين لم يتمكنوا في زمنهم من فهم ذلك الجمال، والفكر الموسيقي الجديد. حتى قبره، فإنه وإن ظل مجهولاً، فقد أقيم قبر تذكاري في مكان مقارب لما يظن أنها المقبرة الأصلية. هذا غير العناية المحتفية بكل ما تبقى من آثاره، وتخليد المكان الذي ولد فيه، والأماكن التي عاش فيها لفترة من الزمن، أو مرّ بها، بالإضافة إلى التخليد الفني لمؤلفاته، التي يتم عزفها بشكل مستمر، بواسطة أهم الفرق الأوركسترالية في العالم. وبعيداً عن الفن والموسيقى، صار اسم موزارت مرتبطاً بأشياء أخرى كالشوكولاتة مثلاً، فمنها نوع شهير يحمل اسمه، وتزدان أغلفتها الأنيقة على اختلاف أشكالها بصورة وجه الموسيقار العظيم.

الحقبة الكلاسيكية والتمرد عليها

هناك ما يسمى بالموسيقى الكلاسيكية، وهناك ما يعرف بالحقبة الكلاسيكية في تاريخ هذه الموسيقى، بالإضافة إلى بعض الحقب الأخرى. فموسيقى باخ وبيتهوفن وتشايكوفسكي على سبيل المثال، هي موسيقى كلاسيكية بشكل عام، لكن باخ ينتمي إلى حقبة الباروك، وبيتهوفن ينتمي إلى الحقبة الكلاسيكية، وينتمي تشايكوفسكي إلى الحقبة الرومانتيكية. أما موزارت فهو من أقام الحقبة الكلاسيكية إلى جانب منافسه وصديقه هايدن، إلى أن أتى بيتهوفن ليتوج تلك الحقبة على أجلّ وأرفع ما يكون. هكذا عرفت الحقبة الكلاسيكية هذه الأسماء الثلاثة العظيمة، هايدن وموزارت وبيتهوفن الذين جمعهم زمان واحد في فترة تاريخية مضيئة، وُلد هايدن قبل موزارت بعدة سنوات وعاش بعده طويلاً، وكان كل منهما يقدر الآخر تقديراً عظيماً، يسعد هايدن بعبقرية ذلك الفتى الذي لا مثيل له، ويضع موزارت هايدن في منزلة الأستاذ. أما بيتهوفن فقد وُلد بعد موزارت ببضع سنين، ولا يخفى تأثره بموزارت في بعض أعماله، خصوصاً في مراحله الفنية المبكرة.

جاءت الحقبة الكلاسيكية بعد عصر الباروك، الذي أتى بدوره بعد عصر النهضة. وكانت هي التمهيد للحقبة الرومانتيكية التي ستأتي بعدها. اهتمت الحقبة الكلاسيكية أو التيار الكلاسيكي في الموسيقى، بجمال البناء وحسن التنسيق، وتخلصت من قيود عصر الباروك وتعقيداته المتداخلة. وتخففت من أثقال الزخرفة والتنميق إلى حد بعيد، وركزت على وضوح الخطوط الميلودية المنفردة، والهارموني المصاحب لها. وجمال الميلودي ووضوح الفكرة الموسيقية، والتوازن أو التفاعل بين العقل والعاطفة. فالكلاسيكية لا تنجرف بقوة مع المشاعر والوجدانيات، والتعبير الذاتي الفردي كالتيار الرومانتيكي، ولا تبالغ في الاهتمام بالجمال الشكلي، كما كان الأمر في عصر الباروك. على الرغم من أن موزارت كان أحد أهم أعمدة الحقبة الكلاسيكية، إلا أنه اتهم في عصره بالخروج عنها والتمرد عليها، وأن موسيقاه تفتقر إلى النقاء الكلاسيكي، لم يكن هذا الأمر أكثر من مجرد خلاف فكري، وسوء فهم لعبقري يستغربه أهل زمانه. فلا شك في كلاسيكية موزارت، وهو من مؤسسي هذا التيار الفني، ولا شك أيضاً في أنه كان حراً جريئاً مجرباً في بعض الأحيان. يرغب في الانفلات من قيود زمانه بقوة الشباب، ويسعى إلى مخاطبة الوجدان البشري بمفردات موسيقية جديدة، تخلقها انتفاضته الفنية ويبتدعها خياله. فلم يكن يرضى بالجمود، ولا يخشى شيئاً في سبيل الموسيقى والبوح بأفكاره الفنية.

وعلى كل حال يظل موزارت مراوغاً لا يمكن تقييده، يترك السامع مع متعة هائلة بعد الانتهاء من الإصغاء إليه، يشوبها شعور بنقص ما. هذا النقص هو الإحساس بأن هناك جماليات كثيرة كامنة في تلك الموسيقى، لم يكتشفها السامع بعد. وموزارت من أكثر الموسيقيين الكلاسيكيين، وضوحاً وغموضاً في الوقت نفسه، فلغته الموسيقية ليست عسيرة مستعصية على الفهم، ولا هي خفيفة كل الخفة. والجمال فيها ليس سهلاً، ومن الخطأ الاستهانة به، وهذا ما تعرض له موزارت في زمنه أيضاً، حيث رُفضت بعض أعماله ظناً في سهولتها واستهانة بأسلوبها.

من الصعب الاستماع إلى منجز موزارت الموسيقي كاملاً، لكن لا شك في أن كل قطعة من ملحناته، هي جزء من سيرته الفنية الصادقة والمؤكدة، فإنها إن لم تكن تعبر عنه عاطفياً وروحياً، لعدم انغماسه التام في الذاتية، فهي تعبر عنه فنياً وفكرياً، كمرآة تعكس رؤيته للفن والموسيقى. ويمكن القول إنه لم يكن موسيقياً متكلفاً مصطنعاً، يُرهق السمع ببلاغة معقدة، ولم يكن يبتذل نغماته ليحصل على إعجاب وقتي سهل المنال. لا تخلو موسيقى موزارت من أحزانه وانفعالاته وعذاباته القلقة، وتأملاته العاطفية أيضاً، لكنها لا توجد بشكل ذاتي صرف، كما هو الحال في موسيقى تشايكوفسكي مثلاً. لذا يكون التعبير مختلفاً عند موزارت، لأنه يحوّل كل شيء إلى موضوع فني في المقام الأول، تتجلى فيه آيات الجمال البشري بنفحته الإلهية. تتعدد ذرى الفن والجمال لدى هذا الموسيقار، فالفكرة الجمالية عنده هائلة وممتدة، تتوزع على الكثير من القمم الشاهقة، وهي آتية من التقاء الروح بالذكاء الخارق والمواهب المعجزة، والإشراق اللحني الساطع.

السيمفونية الأربعون

السيمفونية الأربعون من أهم سيمفونيات موزارت، ومن أشهر مؤلفاته عموماً. ويرتبط جزء منها لدى السامع العربي بأغنية «يا أنا» للسيدة فيروز، حيث قام الأخوان رحباني بالاعتماد على الثيمة الافتتاحية للسيمفونية كلحن لأغنيتهما. تتكون هذه السيمفونية من أربع حركات، ويستغرق عزفها 24 دقيقة تقريباً، بأوركستراسيون محدود بعض الشيء، يعتمد على الوتريات (الكمان والفيولا والتشيللو والكونترباص) بالإضافة إلى (الفلوت والأبوا والباصون) من الهوائيات الخشبية، والبوق من الهوائيات النحاسية. تبدأ الحركة الأولى سريعة، بالثيمة المشهورة المكونة من جملة موسيقية تعزف مرتين متتاليتين، بواسطة الوتريات بشكل رئيسي، ثم تدخل بقية الآلات في المرة الثالثة لتخلق التصاعد المطلوب. وتنتقل بالموسيقى إلى التنويعات على الثيمة، التي تحتوي على مقاطع قصيرة من الجملة الرئيسية، نصف جملة أو ربع جملة، ثم تعود الثيمة لتُعزف من جديد، بميلوديتها الرائعة ورشاقة أنغامها. تخلو السيمفونية من آلات الإيقاع، وينوب عنها الفلوت والبوق بتقطعاتهما المنتظمة، وفي منتصف الحركة الأولى تُعزف الثيمة بطريقة جديدة، أكثر جدية وملحمية إذا أمكن وصفها على هذا النحو.

وتمتد الثيمة بتغييرات طفيفة دائمة، يتبعها المستمع حتى تصل إلى صيغتها الأولى مرة أخرى. تزداد السرعة في القسم الأخير من الحركة الأولى، ثم تميل إلى البطء للحظات قليلة، تنطلق منها بسرعة أكبر، ثم بطء، ثم سرعة متوسطة، وصولاً إلى الختام القوي. وبانتهاء الحركة الأولى تتضح لدى السامع الفكرة الموسيقية، وعبقرية موزارت في التأليف السيمفوني تحديداً، فإن هذا القالب الموسيقي يعتمد في جوهره على البناء، والقدرة على توليد الأفكار الموسيقية المتعددة من جملة واحدة، أو من نغمة واحدة يبدأ من خلالها كل شيء.

تبدأ الحركة الثانية بطيئة، بموسيقى وأنغام مختلفة تماماً عن الحركة الأولى، يتصدرها صوت الفلوت، بمصاحبة لا تنقطع من الوتريات. يتخلل اللحن بعض الانخفاضات البطيئة الحذرة، وتبدو الفكرة الموسيقية في الحركة الثانية كالتالي، أن تكون النغمة هائمة في الهواء، تلتقطها كل آلة من الأخرى، وتجعلها تتحرك بحرية شرط ألا تسمح لها بالسقوط. الحركة الثالثة راقصة، ولها ثيمتها الموسيقية الخاصة، التي تتكرر في ما يشبه الحركة الدائرية، ويبدو فيها الحوار بين الوتريات والهوائيات الخشبية أكثر وضوحاً، خصوصاً في المنتصف منها مع صوت البوق في الخلفية، ثم تنتهي الحركة بعزف الثيمة الرئيسية من جديد. بعد ذلك تبدأ الحركة الرابعة والأخيرة سريعة، بنغمات وترية متلاحقة لا تتوقف، وللأوبوا انفراداتها الرائعة في هذه الحركة، وإن كانت لا تدوم طويلاً. وتبدو خاتمة السيمفونية كجملة واحدة ممتدة، رغم تنويعاتها، لكنها توحي بذلك من شدة تماسكها البنائي. تنتهي السيمفونية بتوقف خاطف سريع يخلو من التصاعد الدرامي المبالغ فيه، واللافت في هذا العمل الفذ من بين جوانب جمالية عديدة تميزه، هو قدرة موزارت على خلق هذا الثراء النغمي والصوتي، بالاعتماد على أوركسترا تعد صغيرة، ومجموعة محدودة من الآلات الموسيقية، فلا يشعر المستمع بأنه يفتقد وجود المزيد من الآلات، ويتحقق لديه الشعور بالغنى والاكتفاء، كما لو كان يستمع إلى أوركسترا هائلة.

كونشرتو البيانو رقم 21

يرتبط اسم موزارت لدى البعض بالبيانو، وتحظى مؤلفاته المنفردة لتلك الآلة الموسيقية بشهرة كبيرة. والبيانو من الآلات التي تميزت بها الحقبة الكلاسيكية، وانتشر فيها ذلك الصوت الجديد المغاير لصوت الأورغن والهاربسيكورد. يتكون كونشرتو البيانو رقم 21 لموزارت من ثلاث حركات (سريع، متوسط السرعة، سريع). وكما يتضح من عنوان القطعة وقالبها الموسيقي، فالبيانو هو البطل هنا، الذي يلعب الدور الرئيسي في هذا العمل، وتأتي بقية الآلات المصاحبة في الأدوار المساندة. وهذه الآلات هي الفلوت والأوبوا والباصون، والبوق الفرنسي والترومبيت والتيمباني. ويعتمد الكونشرتو بشكل كبير على مهارة عازف البيانو المنفرد، وبراعته في تفسير ونقل معاني ما ألفه موزارت من نغمات. يستغرق عزف الكونشرتو 26 دقيقة تقريباً، وتبدأ الحركة الأولى بالوتريات والهوائيات النحاسية، التي تعزف مجتمعة الثيمة الافتتاحية، مع ضربات التيمباني المتفرقة. ولا يدخل البيانو إلا مع الدقيقة الثانية، مشتبكاً مع بقية الآلات في البداية، ثم منفرداً في لحظات أخرى، وأحياناً تصاحبه الآلات كلها في الخلفية بأصوات هادئة. تطول الحركة الأولى قليلاً، وبعد انتهائها تبدأ الحركة الثانية بإيقاع معتدل السرعة، وهي من أجمل حركات هذا الكونشرتو، حيث تحتوي على واحدة من أرق ثيمات موزارت الموسيقية، التي يعزفها البيانيست بضربات رهيفة مرتعشة، لها وقعها الشاعري الناعم الذي يجذب الأسماع والقلوب. وبعد ذلك يتحول الأداء على البيانو في الحركة الثالثة والأخيرة، إلى ضربات سريعة متلاحقة، بالانتقالات الرشيقة للأصابع على مفاتيح البيانو.

موسيقى ليلة صغيرة

ربما لا يوجد أشهر من الثيمة الافتتاحية لهذه الملحنة من ملحنات موزارت، التي تحمل عنوان «موسيقى ليلة صغيرة» التي وضعها في قالب السيرينادة. يستغرق عزف هذه القطعة 17 دقيقة تقريباً، وتؤديها المجموعة الموسيقية المكونة من الوتريات فقط، الكمان والفيولا والتسيللو والكونترباص. وتنقسم إلى أربع حركات، سريعة وراقصة أو غنائية، وسريعة. تُظهر هذه المعزوفة جانباً مهماً من علاقة موزارت بالآلات الوترية، وأنها لا تقل مكانة في نفسه عن البيانو، فالكمان كان الآلة الثانية التي تعلم العزف عليها في طفولته المبكرة، بعد وقت قليل من عزفه على البيانو. وتُظهر أيضاً قدرة الوتريات على خلق التصاعدات الصوتية، وبعض التأثيرات الأخرى، وحدها دون مساندة النحاسيات مثلاً أو الآلات الإيقاعية. تبدأ السيرينادة بثيمة جذابة سريعة، وتنتهي بتنويعات على تلك الثيمة، لا تقل خفة ورشاقة عنها، وما بين البداية والنهاية، تمتد لحظات ممتعة مع الصوت الوتري الخالص.

سوناتا البيانو رقم 11

عند الإصغاء إلى سوناتا البيانو رقم 11 يكون المستمع مع بيانو موزارت فقط بشكل منفرد، ومع واحدة من أجمل تآليفه لهذه الآلة الموسيقية، التي صاغها على النهج الكلاسيكي في شكل السوناتا. ذلك النموذج الفني أو القالب الموسيقي الأنيق، يستغرق عزف هذه السوناتا 22 دقيقة تقريباً. وتتكون من ثلاث حركات، متوسطة البطء، راقصة، معتدلة السرعة. يبدو موزارت في هذا العمل، كأنه يستعرض فكرتين موسيقيتين كل منهما على حدة، ثم يجعلهما يتفاعلان معاً، وبعد ذلك يستعرضهما من جديد. والحركة الثالثة من هذه السوناتا مشهورة بدرجة كبيرة، وتعرف باسم «روندو آلا توركا» أو «المارش التركي». ويقال إن موزارت استلهمها من موسيقى قديمة خاصة بالعسكر الأتراك.

الرباعية الوترية المتنافرة

من أهم أعمال موزارت وأشهرها، ما يعرف باسم الرباعية الوترية المتنافرة Dissonance، يستغرق عزف هذه الرباعية 30 دقيقة تقريباً. وتتكون مجموعة الآلات الموسيقية من الكمان الأول، الكمان الثاني، والفيولا والتشيللو. حيث تنطلق كل آلة بخطها الميلودي الخاص، فلا تشترك آلة مع الأخرى، أو تشتبك معها في نغمة من النغمات. وتعد هذه الملحنة من أشهر الرباعيات الوترية على الإطلاق في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. ومن أهم مؤلفات موزارت التي جلبت له الاتهامات أثناء حياته، بأنه خرج عن الصواب، وتمرد على قواعد التيار الكلاسيكي. والحق أن الرباعية الوترية المتنافرة، هي من أقوى النماذج الدالة على عبقرية موزارت. أما وصفها بالمتنافرة ففيه شيء من الصحة، فهناك تنافر بين أربعة خطوط ميلودية، تعزفها أربع آلات في وقت واحد. فيبدو الأمر كما لو أن هناك أربعة ممثلين، يقفون على خشبة المسرح ليؤدي كل مهم دوره، ويلقي حواره الذاتي بصوت مرتفع، دون أن يسمع ما يقوله غيره من الممثلين. فمن الطبيعي جداً أن يشعر المتفرج بالانزعاج، ويفقد القدرة على متابعة وفهم ما يحدث أمامه على المسرح. فهو إن سمع كلمة من هذا فلن يسمع كلام ذاك، وإن فهم جملة فلن يستطيع أن يفهم الأخرى، ولن يستمتع بهذا التنافر والتشتت.

لكن موزارت في رباعيته تلك، استطاع أن يخلق من هذا التنافر والتشتت متعة حقيقية، وأن يضاعف عناصر الجذب لدى المستمع، الذي لا يشعر بالملل أو الانزعاج، ويستطيع أن يستمع إلى تلك الخطوط الميلودية، وإلى صوت كل آلة من الآلات بوضوح. وفي فيديو العزف عندما يقترن السماع بالمشاهدة، تبدو حركة الأقواس المتنافرة ممتعة أيضاً، وانغماس كل عازف في أداء لحنه الخاص. كما تعد هذه الرباعية من القطع الموسيقية المثيرة للذهن، حيث ينشط الانتباه ويتضاعف التركيز أثناء الاستماع إليها، وهي مكونة من أربع حركات، تتراوح بين السرعة والبطء، وفي كل حركة يخلق موزارت شكلاً جديداً من أشكال التنافر الموسيقي الممتع.

كاتبة مصرية
عن القدس العربي
1/8/2022






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com