من أمريكا إلى السماوات المفتوحة: كيف أثرت الهجرة في وضع الأدب العربي؟ - عبداللطيف الوراري


الهجرة إلى أمريكا

لم يسلم الأدب العربي، عبر تاريخ هجراته الطويل، من تجربة المنفى الأدبي؛ فقد شعر الكثير من شعرائه وكتابه بطعم الاغتراب والبعد عن الوطن، واشتاقوا إلى الأمكنة التي هجروها، لسبب قاهرٍ على الأرجح. تجسدت معاناة هذه التجربة في صيغٍ كتابية متنوعة، بدءأ من طلليات الشاعر الجاهلي، مرورا بكتاب وشعراء ذاقوا النفي حنظلا وكتبوا عنه، ولعل أشهر هؤلاء أبوحيان التوحيدي ودعبل بن علي الخزاعي وأبوفراس الحمداني والمتنبي وأبوتمام وابن عبدالسلام الخشني وابن زيدون والمعتمد بن عباد، إلى أحمد شوقي وسامي البارودي وعلال الفاسي وطه حسين وتوفيق الحكيم في العصر الحديث، لكن يبقى المهجر اللبناني إلى أمريكا أو «الأندلس الجديدة» في تعبيرهم، في الربع الأول من القرن العشرين، هو الأبرز في ذاكرة هذا الأدب.

وفي محاضرته «الهجرات إلى أمريكا وتأثيرها في الثقافة والأدب العربيين» التي ألقاها الإعلامي سمير حداد في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية – تطوان لفائدة طلبة الماجستير والدكتوراه (5 يوليو/ تموز 2022) أشار إلى أن هجرة الأدباء من بلاد الشام، التي حدثت في مطالع القرن العشرين، وتحت شروط إنسانية صعبة (الاحتلال العثماني، الظلم، الفقر..) هي التي دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الأدب العربي بعدما غلب التقليد. وقد شرع هؤلاء الأدباء في تأسيس الجمعيات الثقافية والصحف والمجلات الأدبية، لتثبيت حضورهم داخل نسيج المجتمع الجديد والمساهمة في النهوض به. وذكر المحاضر بأن أولى الجمعيات تأثيرا هي الرابطة القلمية، التي بلغ صداها القوي معظم البلاد العربية، مستحضرا ـ في هذا السياق- خطابات من أدب جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي ونسيب عريضة، الداعية إلى الاندماج في المجتمع ومكافحة التمييز وتجديد روح الأدب العربي.

والأطرف أن هذه الرابطة مارست تأثيرها في كل مراحل الأدب الحديث وإلى اليوم، بل إنها ـ كما ذكر عميد الكلية مصطفى الغاشي- شكلت نوستالجيا دائمة لأجيال متعددة لطبيعة خطابها الإنساني، الذي يتجاوز الحدود؛ فقد كانت تمثل حافز البدايات الأولى لكل جيل، وتختط أمامه سبل الإلهام، كما تمثل خط التجديد الذي لا رجعة عنه: «نحن تكونا – يقول نزار التجديتي- في شبابنا على الأدب المهجري، وبفضله استطعنا بلورة وعينا الأدبي الجمالي، ولاسيما من خلال تلك القيم الإنسانية التي تشربناها واستلهمنا منه، ثم استطعنا أن نلج الإبداع الأدبي بثقة».

وقد تواصلت هجرة الأدباء والكتاب إلى أمريكا، إلا أنها صارت أكثر تعقيدا، وأصبح الحضور العربي أقل تأثيرا لأسباب سياسية وأيديولوجية صرف، وفي طليعتها نشاط اللوبي الصهيوني الذي أطلق ذراعه الإعلامية للجم هذا الحضور والإساءة إلى صورة العرب وثقافتهم في أمريكا، مثلما أن العرب انكفأوا على أنفسهم، وتوزعوا طوائف. لكن كنا نرى، في كل حقبة، كيف أن مُمثلي هذا الحضور لم يدخروا جهدهم لتطوير الثقافة العربية، وما أحدثته أعمالهم من تأثير إيجابي في حركة الترجمة والأدب والفنون (إدوارد سعيد، إيهاب حسن، سركون بولص، عبد الله حمودي، خالد مطاوع، ليلى العلمي..) ومع ذلك بقيت جهودا فردية.

مهجرية جديدة

بغض النظر عن المُسميات التي أطلقها دارسو أدب المهجر الجديد، ورفض بعضهم لمُسمى «أدب المهجر» بسبب من تغير الحساسيات ورؤى الكتابة، وتغير الظروف الراهنة عن الظروف التي رافقت ولادة أدب المهجر، مٌفضلين عنه مُسمى «أدب الاغتراب» أو «أدب المنفى» إلا أننا آثرنا أن نأخذ بمصطلح «أدب المهجر» لأنه يتسع لأدب المنفى، ويشتمل حتى على معاني الغربة والنفي والحنين إلى الوطن والاغتراب بالمعنى الوجودي، وهي المعاني التي ظلت ملازمة له، والموتيفات التي وسمته وأرخت عليه أبعادا وتأويلات متنوعة.

وإذا كان مصطلح «أدب المهجر» ليس متداولا إلا في كتب التاريخ الثقافي والأدبي، إلا أنه لم يتراجع، بل هو في تزايد مستمر غيّر حتى في الوعي بمدلول المهجر نفسه، في سياقٍ مُعَوْلم تأثرت به طريقتنا في التفكير والتأويل؛ فلم يعد المهجر مهجرا بالمعني القديم، ولا هو ذلك المكان الذي تقل احتمالات عودة من يذهب إليه، مثلما لم يعد الأديب المهجري بمنأى عن مجريات الأحداث في بلده الأم. وهو ما يدفع بقوة مفهوم «الحضور الغياب» كما طرحه هيدغر وليفيناس ودريدا، إلى حقل الدراسات الأدبية المقارنة؛ حيث إن الإنسان والكلمات والأشياء تحضر في الغياب، وتغيب في الحضور. ويقترح جورج شتاينر أطروحة ثاقبة مفادها أن أدب المهجر يمثل جنسا قائما بذاته بين الأجناس الأدبية في القرن العشرين، عصر اللاجئين، وهو أدب كتبه المنفيون، وعن المنفيين.

يقول إدوارد سعيد: «يبدو صحيحا أن أولئك الذين يبدعون الفن في حضارة شبه بربرية، جعلت الكثيرين بلا وطن، لا بد أن يكونوا هم أنفسهم شعراء مشردين ومترحلين عبر حدود اللغة، شذاذا متحفظين نوستالجيين في غير أوانهم عمدا».

وإذن، يُعاد اليوم طرح السؤال المتعلق بأدب المهجر، بقوة وداخل تفسيرات خصبة وحادة. وصار دارسوه يتحدثون عما سموه بـ«المهجرية الجديدة» في الأدب العربي، بعد أن هاجر الكثير من الأدباء والكتاب بلادهم إلى دول وفضاءات وعوالم جديدة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، بسبب عوامل سياسية واجتماعية ضاغطة (الديكتاتورية، الحروب، غياب الحرية، التهديد بالقتل، البحث عن فرص العمل..). وقد تأثر هؤلاء بالثقافة والمحيط الاجتماعي الجديدين، ما وسم كتاباتهم الشعرية والنثرية في مجملها بسماتٍ خاصة وجديرة بالانتباه. لكن صيغة السؤال تبدو مختلفة هذه المرة، فالبحث عن سمات وخصائص في نصوص هؤلاء المهاجرين الجدد، قد لا يتأتى بالقدر نفسه من السهولة والوضوح اللذين استطاع بهما دارسو الأدب تحديد سمات أدب المهجر، الذي نشأ في بدايات القرن العشرين.

لقد تغير «أدب المهجر» العربي، وتجددت ظاهرة المهجرية بصورة لافتة، وتعددت المهاجر، بداية من الربع الأخير من القرن العشرين وإلى اليوم. وقد ترتب عن هذه الأوضاع المستجدة ما نلمسه من ثراءٍ نوعي وكمي في الحالات والمآلات التي استقرت عليها وضعية المهجر الجديدة، وهي تتدرج من سكون اللحظة وحيادها إلى المأساوية المكثفة، مرورا بأشكالٍ من التغرب ونبرة الاحتجاج والإحساس بسؤال الوجود والكينونة، لم يكن يعرفها ويرقى إليها وعي رعيل المهجريين الأول. وفي خضم ذلك، انخرط المئات من الأدباء في الكتابة باللغة العربية أو باللغات الأجنبية (الفرنسية، الإنكليزية، الألمانية، الهولندية، الإسبانية وسواها) وقد امتزجت في كتاباتهم هموم أوطانهم بالواقع الذي يحيونه في الدول المضيفة، وتوحي تجاربهم في الغربة بذكريات طفولتهم ونشأتهم الأولى على نحو ما يُشكل هويات فنهم وتصورهم للمتخيل المهجري العابر للحدود.

«مَهاجر» المغاربة

من جملة الآداب التي طبعتها ظاهرة المهجرية الجديدة بقوة، هناك الأدب المغربي المكتوب بالعربية أو بغيرها من اللغات الأجنبية. فبالنظر إلى الموقع الجغرافي الاستثنائي للمغرب، فقد كانت الهجرة بالنسبة إلى أبنائه أفقا للترحال والكتابة، والمغامرة كذلك. ولم يعدم الأدب المغربي، من عصر إلى عصر، مهجرييه من الشعراء والكتاب والرحالة. وكان هؤلاء يهاجرون، في بداية الأمر، إلى المشرق لأسبابٍ ترتبط بالعصر نفسه، منها الحج أو الرحلة والاستكشاف أو العمل المهني والسياسي ومتابعة الدراسة. ابتداء من ابن بطوطة المهاجر الأكبر إلى حفدته السنادبة ممن عاشوا أجواء الحياة الثقافية في تلك البلاد لفترةٍ، وتأثروا بها، وقد كتب معظمهم عنها في رواياتٍ وسير ومذكرات وشهادات (عبدالكريم غلاب، محمد برادة، رشيد يحياوي، محمد أنقار، محمد لفتح، إلخ).

ولم يعرف أدباء المغرب خلال مغترباتهم «مهجرهم الأدبي» إلا في بحر السبعينيات من القرن الماضي، ولاسيما أولئك الذين هاجروا أو نفوا إلى فرنسا، بعد أن تعلموا لغتها في المغرب زمن الحماية، فاحتضنهم الوسط الثقافي هناك. ولعل أشهر هؤلاء هم إدريس الشرايبي، محمد خيرالدين، الطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي. ومعظمهم كان يكتب في سياق ثقْـل ثقافي وسوسيوتاريخي ضاغط كانت ترهنه، باستمرار، العلاقة الاستعمارية بين فرنسا والمغرب. وإذا كان هذا الرعيل الأول من كتاب المهجر المغاربة يعاني من تلك العلاقة المتوترة مع لغة الآخر المُسْتعمِر، مُتحوطا من أن تستدرجه إلى مواقعه الفكرية والسياسية، فإن هناك جيلا جديدا هاجر إلى فرنسا، أو نشأ في فضاءاتها، أو ولد فيها، بدا مختلفا يكتب مُتحررا من عقدة المستعمر الأجنبي، وأصبحت الفرنسية بالنسبة إليه أداة تعبيريةَ للبوح وارتياد الحرية.

وإذن، فإننا – بحق- أمام ظاهرة جديدة على الأدب المغربي؛ ظاهرة المهجرية، فيما هي تبرز لنا ذلك التحول الحاسم الذي طال مسألة الهجرة والوعي بها، وعلاقتها المتوترة بالكتابة، بالقياس إلى ما كان متداولا قبل عقدين أو ثلاثة عقود. وتسمح لنا هذه الوضعية المعقدة من تاريخ المهجرية المغربية في الأدب والفن معا، بإبداء هذه الملاحظات:

– تكشف الوضعية حقيقة الانتماء الصعب والمركب إلى عالمين متناقضين، وثقافتين بينهما عناصر توتر. وإذا كان ذلك يشكل مصدر ثراء واختلاف بالنسبة إلى الأدباء الشباب من الجيلين الثاني والثالث، إلا أنها – بالنتيجة ـ تسم كتاباتهم بروح التساؤل والحيرة واللايقين والقلق، إزاء موضوعات اللغة والذات والمكان.

– أغلب المهجريين الجدد، يجهلون العربية، ويكتبون بلغات الدول التي ولدوا فيها ونشأوا فيها، ولم يعرفوا المغرب بلدهم الأصلي إلا عبر البطاقات البريدية، أو من خلال العطل والزيارات العائلية، وأحيانا يتحدثون عن المغرب ككُتاب أجانب، وهو ما يقوي الشعور الحاد لديهم بالمنفى وانشطار الهوية.

– من هؤلاء من لهم صيتٌ في أوروبا، واختيروا كأهم كُتاب في بلدان المهجر التي يعيشون فيها، وكتبهم بلغت مبيعاتها سهْما مُحترما، وحظوا بجوائز أدبية معروفة، لكن أعمالهم لم تترجم إلى العربية، وليس لها صدى في بلدهم الأصلي المغرب الذي يُجْهلون فيه.

– في المقابل، هناك قطاعٌ آخر من أدباء المهجر ممن غادروا البلاد في سياقات مختلفة، ووجدوا أنفسهم موزعين بين «المنافي» في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يعيشون حياة جديدة، لكنهم يحرصون على الكتابة بالعربية، وبالتالي يدون أكثر من سابقيهم اندماجا في الحراك الثقافي المغربي على مستوى النصوص والأعمال التي ينشرونها في المغرب وتتداول بين النقاد والقراء، أو من خلال الحضور الثقافي: ندوات، مشروعات ثقافية، مجلات، مواقع إلكترونية، حوارات صحافية..

– تفجر الكتابة النسوية كأنها جواب بليغ ومكبوت تاريخيا على نظرة دونية ناجمة عن البنية الذهنية للمجتمع الذي عاشوا فيه أو انحدروا منه، وكان يرى إلى أدب المرأة ضعيفا وقليل القيمة لا يُضاهي أدب الرجال؛ ومن ثمة، لم يتوانَ صوت النسوة عن إطلاق العنان لخيالهن البكر والمهمل في إضاءة المناطق «المكبوتة» و»القوى الكامنة» و»الهذيان الداخلي» لأنا الكتابة بما تنغلق عليه من إيحاءٍ بالبساطة والغموض والهشاشة، وتوْقٍ إلى الحياة والفن. وقد أفاد هذا الصوت المختلف في تحديث متخيل الأدب وتنويع أشجار نسبه الرمزي.

وفي كل الأحوال، يشكل الكتّاب المغاربة المنتشرون في بقاع كثيرة من المعمورة قيمة مضافة لأدبهم الوطني الأصلي، وهم يُدْخلون «رَعْشاتٍ» جديدة في أنساغه وأساليب رؤيته وتعاطيه مع أسئلة العالم ولغاته، منخرطين – بالتالي- في إعادة صوغ الهوية الفردية والجماعية للمغاربة، والموسومة بتعددها وانفتاحها وتطوافها اليوم قبل أي وقت مضى. ومن ثمة، تبحث كتاباتهم عن شروط حياة جديدة ورهانات مغايرة، بقدر ما تستثمر الهجرة كأفق للكتابة، بصورة توازيها قدرة الذات الكاتبة على التخييل والاندماج في مغامرة البحث عن نفسها داخل فضاء تتجاذبه مطالب «الهوية المفتوحة» وجدلية «الأنا» و»الآخر» غير القابلة للانفصام.

كاتب مغربي
عن القدس العربي
8/7/2022






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com