رَحَلَ مُتيَّمُ حيفا وَحاملُ ذكرياتها حنّا أبو حنّا - سمير حاج


التقيته بذاكرته الخصبة التي تتضَوّعُ عبَقَ وَحُزْنَ حيفا الجميلة عام 2006، لإجراء حوارٍ معه (نُشِر في إيلاف)، في بيته المُطلّ على بحر حيفا، من طبقة عليا في عمارة شامخة برمز شارعها، الذي يحمل اسمًا عربيًّا (المطران حجّار). رأيْتُ من شرفة بيته هُوِيّة حيفا، البحر الخلّاب وأشجار السّرو والصنوبر، فردّدْتُ على مسمعه نشيدَ أنشاد بُلبلها حسن البحيريّ: "حيفا وأنت مزاج الروح في رمقي/ وعمق جرح الهوى في موجعي الخفق"، فأجابني بصوته الهادئ المُمَوْسَق: "حيفا تأسرني بجمالها وبعناق البحر والجبل. عرفت المدينة قبل النكبة، حين كان يعيش فيها سبعون ألف فلسطيني. فيها غنّت أم كلثوم، وأثناء استراحة قصيرة، وضعت حبة حلوى في فمها، فصاح أحد الحضور: " يالله يا أم كلثوم! " فأجابته: "حتى تذوب!" (أيّهما يذوبُ هو أم حبة الملبّس).

حكى أبو حنا بانسياب شاعريّ، وعفوية ريفية وحرارة، صدى السنين الحاكي، وتناثرت كلماته الهادئة والمثقلة بالألق حينًا والحسرة أحيانًا. حيفا التي حملها حنّا أبو حنّا في ذاكرته، مسكونة بثنائية الفرح والحُزن، الفرح بمَنْ بقي فيها، والحسْرة والوجع على مَن اُقتلعَ من بيوتها وَشُرّدَ، إنّها حيفا النازفة من مزمور محمود درويش (خلف الأسلاك): "أحجُّ اليك يا حيفا/ وأنفضُ عن مصابيحي/ غبارَ الليل والزمن/ فما زالت مفاتيحي/ معي، في الجيب والعينين والكفن".

وصف أبو حنّا حيفا، قبل النكبة بحسرة وألم: "لم يبق من سكانها العرب بعد النكبة سوى ثلاثة آلاف. وقد عاش هؤلاء في البداية في جيتو في وادي النسناس. وقال إنَّ أكثر ما يطعن النفس، أن تمر بالمعالم التي عرفتها، مأهولة أو عامرة بأهلها، ثم أضحت خالية، وكما قال المتنبي: "ولكن الفتى العربيَّ فيها غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ".

عاش حيفا حلاوةً ومرارةً، وأذاب رائعةَ عمره فيها، مديرًا للكلية الأرثوذكسية العربية، هذا الصرح الثقافي والتعليمي، الذي أقيم عام 1957، زمن القطيعة والمَحْلِ الثقافي، ليشارك في صنع وصقل رموز المجتمع الفلسطيني في الداخل، من خلال الحفاظ على الهوية القومية والثقافية ونشر الوعي والعلم.

في محطات الأدب، أصدر حنا أبو حنا سيرته الذاتية في ثلاثية: ظل الغيمة (1997)، مهر البومة (2004)، خميرة الرماد (2004) وقد قال فيها هشام شرابي إنّها سيرة جيل بكامله وتاريخ جيل. كما كتب أبو حنا الشعر، فأصدر أربعة دواوين: نداء الجراح (1969)، قصائد من حديقة الصبر (1983)، تجرعت سُمَّك حتى المناعة (1990)، عرّاف الكرمل (2005) وكتب أبحاثًا ودراساتٍ منها: ثلاثة شعراء: إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، أبو سلمى "، و" دار المعلمين الروسية (السنمار) وأثرها على النهضة الأدبية في فلسطين " الناصرة- 1994، و" طلائع النهضة في فلسطين: خريجو المدارس الروسية "، بيروت. -2005. وقد امتازت أبحاثه بالجدية والعمق.

لا يمكن رصد الحركة الثقافية والتعليمية في فلسطين، دون الحديث عن هذه الخميرة وهذه الجذوة التعليميّة التنويريّة، التي تشكّلها محطات مسيرة حنّا أبي حنّا الابداعية والريادية.

نجيب نصّار ووديع البستاني

تحدّث أبو حنّا عن شخصيات حيفاوية، قبل النكبة قائلًا: "أذكر في تلك المرحلة، كيف رأيت ذلك الشيخ المهيب نجيب نصار، وهو يصفُّ الحروف بيديه وزوجته تساعده في مطبعته في البلدة القديمة في حيفا. والتقيت في حيفا المحامي الشاعر وديع البستاني، صاحب ديوان " الفلسطينيات"، كما التقيته في مكتب جريدة "الاتحاد"، وقد حزم أمره في السفر الى لبنان. أما بيته المعروف على شاطئ البحر، فقد سجله باسم الطائفة المارونية. لقد كان وديع البستاني أول من التفت الى المؤامرة الصهيونية البريطانية، عندما رأى في أحد المكاتب الحكومية يافطة، تشير إلى إقامة وطن قومي يهودي، كان ذلك في مطلع الانتداب وقد ذكر ذلك في ديوانه".

عمله في حيفا: الصّحافة الشيوعية والكلية

حول عمله في حيفا قال أبو حنّا: "أما بعد النكبة، فقد سكنت حيفا عام 1950، في شارع قيساريا، حيث عملت في هيئة تحرير صحيفة الاتحاد، كما كنت في الهيئة التي بادرت الى إصدار مجلة الجديد عام 1951. لقد صدرت في بادئ الأمر كملحق لجريدة الاتحاد، إلى أن حصلت على الترخيص وتابعت الصدور عام 1953. لقد كان إصدار مجلة الجديد عملاً هامًّا في تلك الظروف، إذ جمع الطاقات المتوفرة لمناقشة المهمات الثقافية وتشجيع القوى المبشرة، فكنا نفرح بكل طاقة جديدة، ونرعاها ونشجعها. وأصدرت في حيفا مجلة "الغد " حيث كنت صاحب الامتياز. المرحلة التالية في صلتي بحيفا هي التعليم في الكلية الأرثوذكسية العربية، كان ذلك في ظروف الحكم العسكري، حيث لم يكن يسمح للفلسطينيين الباقين في وطنهم، الانتقال من مكان إلى آخر دون تصريح، يحمل شروطا معجزة. في تلك الأيام لم تكن في البلاد مدارس ثانوية سوى في الناصرة وكفر ياسيف. ولم تكن تلك مدارس ثانوية متكاملة تعد لشهادة الاجتياز للتعليم العالي. ولم تكن في حيفا مدرسة ثانوية، ولم تتحرك السلطة الى إنشاء مدرسة ثانوية، فبادر المجلس الملي الأرثوذكسي في حيفا الى إنشاء مدرسة ثانوية، بدأت بالصف التاسع، ثم أخذت تضيف صفا تلو الآخر حتى استكملت الصفوف خلال أربعة أعوام، وكان يقصدها الطلاب من حيفا والقضاء ويافا واللد والرملة وغيرها. رأينا في الكلية الأرثوذكسية معهدًا له رسالة وطنية شاملة، فاهتممنا بفتح الدراسة أمام طلاب من النقب والمثلث وسواه. وكانوا يجيئون إليها من خمسين مدينة وقرية. كما أنشأنا قسما داخليًا يشمل مكانًا للمبيت ومطعمًا لتيسير أمور الطلاب القادمين من بعيد اليوم وقد مضى أكثر من خمسين عاما على هذا المعهد نستطيع أن نرى مدى الخدمة الوطنية التي قام بها، فخرّيجوه في طليعة المثقفين والأكاديميين في الجامعات، في البلاد وفي الخارج".

محمود درويش

تحدّثَ أبو حنّا حول علاقته بالشاعر محمود درويش: "كنت من أوائل من استقبلوا محمود درويش، حين جاء ليعمل في جريدة الاتحاد ومجلة الجديد الحيفاوية التي كنت رئيس تحريرها. كان في عينيه ياسمين العشرين حريريًا، نفاذ العطر، وكانت خصلة من شعره، تنسدل على جبينه، فيعالجها برفق ملح. كأنما هبط بالمظلة من عالم المدرسة الثانوية في كفر ياسيف، إلى عالم الصحافة والسياسة، وفي يده باكورة شعرية سمّاها: "عصافير بلا أجنحة". لقد استطاع هذا الشاب الصغير، أن يثبت جدارته في العمل أمام كهول متمرّسين، وأن يحظى بمحبة الجميع وتقديرهم".

ورَحَلَ عرّافُ الكرمل مُثقلًا بنِداء الجِراح، مَسكونًا بحديقة الصبر، بعد أن تجرّعَ سُمّك حتى المناعة!

عن الاتحاد
11/2/2022






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com