مع محمد حسنين هيكل… ذكريات وشغف قديم - إبراهيم عبد المجيد


بمناسبة إعلان الفائزين بجائزة محمد حسنين هيكل للصحافة هذا العام، التي تنظمها مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية، وهي المؤسسة التي أنشأها هو نفسه عام 2007، وهذا هو عامها الخامس في إعلان الفائزين، وجدت في نفسي رغبة في أن أكتب شيئا عن الراحل.

إعلان الجائزة يوافق ذكرى ميلاده في الثالث والعشرين من سبتمبر/أيلول، وفاز بها هذا العام الصحافية البحرينية نزيهة سعيد، على تفردها في تغطية قضايا المرأة في بلدان الخليج، والصحافي المصري محمد أبو الغيط المقيم في لندن، عن تحقيقاته المهمة في الشأن السوري ومحمد أبو الغيط الشاب النجيب الذي أدعو له كل ساعة بالشفاء، فأنا من المحبين الكبار لكتابته.

لا يتصور أحد أن ما أعنيه من ذكريات هو لقاءات مع الكاتب والصحافي محمد حسنين هيكل، للأسف لم يحدث أن قابلته وجها لوجه إلا مرة واحدة لا أذكر في أي عام، وكانت دار الشروق تقيم حفلا في أحد الفنادق الكبرى، ووصلت أنا مثل الكثيرين مبكرا، فجلست في الصف الأول. بعد قليل توافد الحضور، وفوجئت بالأستاذ هيكل يأتي ويجلس خلفي. وقفت أطلب منه أن يجلس مكاني لكنه رفض، ورغم تصميمي أن يفعل ذلك أصر على رفضه، وجلست مكاني وانتهت الليلة.

شيء في الحياة مشي معي دائما وهو أني أمام الكبار في القيمة والفكر والفن، لا أجد شجاعة أن اقترب منهم، رغم حبي الشديد لهم واعترافي بقيمتهم. لم يحدث مثلا أن اقتربت من نجيب محفوظ إلا مرات قليلة جدا قبل عام 1996، وهو العام الذي فزت فيه بجائزته من الجامعة الأمريكية. كان الكتّاب يتحلقون حوله في مقهي ريش، ثم في كازينو قصر النيل، ثم في جلسته بعد ذلك في فندق شبرد، أو في المعادي، ولم أذهب إلا مرتين تقريبا لم يتكررا في مقهي ريش، ومرتين في كازينو قصر النيل حتى فزت بجائزته في أول عام لها من الجامعة الأمريكية، ولم يكن هناك تقديم لها، بل كانوا هم من يختارون الفائزين، ودعاني إلى بيته ولقاء في المعادي، وتكررت زياراتي لبيته على مسافات زمنية طويلة، ولم أعلن ذلك أبداً.

الأمر نفسه حدث مع يوسف إدريس، الذي جمعتنا السفريات أو لقاءات معرض الكتاب الدولي في القاهرة، لكنني لم أذهب إليه في «الأهرام» أبداً رغم المحبة بيننا. تستطيع أن تقيس ذلك على كل المشاهير. كانت لقاءاتي بهم بهجة أشعر بالاكتفاء بها ولا أسعى لتكرارها إلا أن تأتي صدفة. حتى الفنانون لم يكن أسهل من أسعى للقاء سعاد حسني أو شادية أو تحية كاريوكا أو فريد شوقي، أو من تشاء، وأنا في سن الشباب أكتب حرا في الصحافة، وأدير الحوارات أحيانا، لكني كنت أسأل نفسي، هل بعد أن التقي بشادية مثلا، أو سعاد حسني سأظل كما أنا؟ كل الحوارات التي أجريتها ذلك الوقت كانت مع من تعودت أن ألقاهم في مقهي ريش، مثل فاروق عبد القادر ونجيب سرور وأمل دنقل وسليمان فياض وغيرهم، أي مع من تعودت عليهم.

مؤكد أني خسرت الكثير لكن هذا ما جرى.. هكذا ظل محمد حسنين هيكل بالنسبة لي قمة أنظر إليها من بعيد، وإن كنت أصعد درجاتها مع كل مقال أو كتاب اقرأه له. لقد أتيت إلى القاهرة للاستقرار التام عام 1975، وكان هو قد ترك جريدة «الاهرام» بأمر من السادات، ولم يكن صعبا الاتصال والالتقاء به لكنني لم أفعل.

حين ظهرت الأحزاب والصحف كنت أكتب في جريدة «الأهالي» أحيانا، وجريدة «العربي الناصري» كل أسبوع، ولم يكن أسهل من الاتصال به أو زيارته، وأنا من كتاب جريدة «العربي الناصري» في عهدها الذهبي. ظللت مرتكنا إلى الذكريات والقراءة لأعماله. أول الذكريات هو كيف كنت في الستينيات صبيا، أو في بداية شبابي أخرج إلى شاطئ المكس مبكرا جدا قبل الساعة السابعة يوم الجمعة، لأحصل على جريدة «الأهرام» قبل أن تنفد أعدادها، وأعود لألتهم الملحق الأدبي لها، الذي كان ينشر فيه توفيق الحكيم وبنت الشاطئ ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض. إنه الملحق الذي كان ثروة ثقافية بما ينشره من فكر وإبداع. كان الفوز بالعدد هو أجمل ما أبدأ به يومي. كنت اقرأ مقالته «بصراحة» ثم استمع إليها بشغف كبير في الإذاعة في المساء. ظل بالنسبة لي الصحافي الكبير الذي قلّ مثله، حتى وقعت في غرام كتبه السياسية وما أكثرها، ويكفي أن تعرف أن أول كتاب كتبه كان عام 1951 وعنوانه «إيران فوق بركان» وكان عمره آنذاك لا يتجاوز 28 عاماً، وهذا يوضح لك طموحه الفائق. وكانت له تجارب عملية في إيران وفي الحرب الكورية الأمريكية. ويعتبر هذا الكتاب في رأي صديقي الكاتب والباحث صلاح زكي، هو الأهم عّن الثورة الإيرانية الأولى. لم يكن يكتب بالعربية فقط، لكن كان ينشر كتبه مسلسلة في صحف إنكليزية ويقوم هو أو غيره بترجمتها إلى العربية. كان ما دفعني إلى كتبه أكثر هو الحالة السياسية في مصر، والصراع بين أنور السادات والقوى الوطنية. تابعت المسيرة مع القراءة وصارت كتبه طريقا أمشي فيه دائما، بعد أن توقف عن كتابة المقالات، أو لم تعد هناك فرصة لنشرها في مصر. ومع أول ذهاب لي إلى جريدة «الاهرام» في مبناها الجديد، وكل ذهاب حتى الآن، لا بد أن أتذكر أن هذا الصرح الجديد كان من أعماله.

في كتب محمد حسنين هيكل ومنها تجد معلومات مهمة جدا، بل خطيرة في بعض الأحيان، وصل إليها في فترة بحكم قربه من جمال عبد الناصر رأس الحكم، وبحكم قيمته في الصحافة العالمية، فكان يمكن أن يصل إلى كثير من المعلومات التي تبدو بعيدة عنا. هذه المعلومات لا يستطيع أحد أن يشكك فيها أبداً.. لم تكن من خياله ولا من اختراعه، حتى لواختلفت أحيانا وليس كثيرا من فضلك، مع انتهى إليه من تحليل ودراسة لموضوعه، لا تستطيع أن تشكك لحظة واحدة في أي معلومة. والاختلاف الذي أقصده هو اختلاف المفكرين، ونادرا ما قرأت شيئا منه، وليست أحاديث الميديا التي تفسر كل شيء على راحتها، دون قراءة في الكتب وتاريخ نشرها وزمانها وظروفها، وما كان في العالم وفي مصر وقتها. هذه كانت وستظل قيمة كتب ودراسات محمد حسنين هيكل، فبسعيه ووضعه يوما ما، وصل إلى هذا الكم النادر من المعلومات، ولم يتفاخر بها، بل أنشأ بها بيوتا وصروحا، أعني الكتب، التي لا تمل قراءتها والاستفادة منها. شيء آخر تميز به محمد حسنين هيكل أكثر من غيره، فهو كصحافي لم يترك نفسه لإغراءات الكتابة الصحافية السريعة، بل كان قارئا كبيرا للأدب العالمي والأدب العربي، ومن ثم أخذت لغته طعما مختلفا. إيقاعها إيقاع السرد الحكائي ومضمونها علمي في أي مجال تتحدث فيه، سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، ومن ثم فهي وهي تثير ذهنك بالتفكير، تثير روحك بالمتعة الأدبية. هيكل ومسيرته تؤكد كيف هذا الوطن بنى لعظماء لنا القصور لنعرف ونتعلم.

هذا المقال، كما قلت، ملأ به روحي الإعلان عن جائزة مؤسسته للصحافة العربية وليس كافيا أبداً للحديث عنه، لكنني وددت فقط الإعلان عن شغفي الذي مشي معي في الحياة وعن تقديري لهذا العقل المصري العظيم.

روائي مصري
عن القدس العربي
1/10/2021






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com