«حياة الإجرام» لجون ألبرت: نفوس أهدرتها المخدرات والإدمان - نسرين سيد أحمد


البندقية ـ «القدس العربي»: ثمة إحساس بالفجيعة والحزن، كما لو أننا فقدنا عزيزا أو صديقا، يسيطر علينا بعد الانتهاء من مشاهدة الوثائقي «حياة الإجرام» للمخرج الوثائقي الأمريكي جون ألبرت، الذي عرض خارج المسابقة في مهرجان البندقية السينمائي (من 1 إلى 11 سبتمبر/أيلول الجاري). على اختلاف الموضوع، يذكّرنا الفيلم إلى حد كبير بالوثائقي الشهير «هوب دريمز» للمخرج ستيف جيمس، الذي يتعقب آمال وأحلام عدد من الصبية الأمريكيين السود، من بيئات رقيقة الحال الطامحين في الحصول على مستقبل أفضل، عن طريق التميز في لعب رياضة كرة السلة. يتابع جيمس هؤلاء الصبية عبر أعوام من الأحلام والخيبات، وعبر تغير للمسارات، وعبر صدمات الحياة. وينتهج ألبرت في «حياة الجريمة» النهج ذاته، حيث يتابع الشخصيات الرئيسية في فيلمه، على مدى عدة عقود منذ عام 1984 حتى العام الماضي 2020.

لا يتابع ألبرت شخصياته بعين متطفلة ولا بعين منتقدة تشجب وتندد، ولا يصدر في فيلمه أحكاما أخلاقية على شخصياته، بل يتابعهم بود الصديق الذي لا يدين ولا يشجب، بل يتقبل شخصياته كما هي بكل عيوبها ومزاياها. نتابع عن كثب الشخصيات الرئيسية الثلاث في الفيلم على مدى 36 عاما من ارتكاب الحماقات الصغيرة والجرائم المتعمدة، من الاستسلام أحيانا والسقوط، إلى محاولات النهوض والتجدد. تتبدل مصائرهم، وتجري السنوات، لكنهم يبقون دوما أمام أعيننا بشرا نتعاطف معهم ونتفهم ما يفضي بهم إلى مصيرهم.

الإجرام الذي يشير إليه عنوان الفيلم، هو إجرام في عرف القانون، لكنه في المقام الأول إجرام في حق الذات، فالشخصيات الرئيسية في الفيلم تهدر أعمارها سعيا وراء نشوة المخدر وسطوته على العقل والروح. الموجع حقا في وثائقي ألبرت، هو أننا نرى الشخصيات الرئيسية في الفيلم كأشخاص حقيقيين، دون شيطنتهم أو تصويرهم في إطار يبعد عنا كمشاهدين. يمكننا بيسر تام أن نتخيل أنفسنا محلهم، أو نرى أن بعض حماقاتنا وطيشنا قد يوصلنا إلى مصيرهم. نرى أنهم أشخاص مثلا لديهم أحلام وطموحات، لديهم أحباء يعزون عليهم، ولديهم رغبة ملحة في بناء حياة أفضل وفي الإقلاع عن المخدر.

تبدأ الأحداث في مدينة نيوارك في نيوجرسي، ومحور الأحداث والشخصيات الرئيسية في الفيلم، التي لا تغيب عنا قط هم، روب، ذلك الشاب الودود صاحب الابتسامة اللطيفة، الذي يبدو لنا كما لو كان أحد جيراننا أو أقاربنا. لا يبدو لنا روب أبدا مجرما أو شخصا يجب علينا تجنبه، ويبدو لنا معتدا بمظهره نظيفا حليقا وسيما، ويبدأ الفيلم وهو يسرق بعض الأغراض من متجر صغير، ليبيعها لشراء المخدرات، تلك الآفة التي يدرك في قرارة نفسه أنه لن يستطيع التخلي عنها. ثم هناك فريدي، الشاب الذي ينتظر طفلا من صديقته، ولديه طفلان أكبر من علاقة سابقة. يبدو أبا طيبا وشخصا يحاول أن يحيا حياة أفضل، لكنه وقع في براثن المخدرات، التي يحاول طوال أعوام الابتعاد عنها، ويبقى دونها أعواما، لكنها تغلبه وتجرفه مجددا. أما الشخصية الثالثة فهي ديليريس، التي لا تجد سبيلا للحصول على المخدرات غير امتهان الدعارة.

تمضي ديليريس أعواما من شبابها تسعى وراء الحصول على القليل من المال لتأمين الحصول على الجرعة التالية من المخدر، ثم تمضي أعواما مقلعة مبتعدة عن المخدرات، وتحاول مساعدة غيرها من المدمنين الذين يحاولون التخلص من الإدمان، لكنها في نهاية المطاف تسقط مجددا في براثن المخدر والإدمان. نبقى مع روب وفريدي وديليريس على مدى أعوام وأعوام من أعمارهم نشاهد طيشهم وحماقاتهم، ونراهم يدخلون السجون لتمضية سنوات العقوبة إثر جرائم ارتكبوها للحصول على المخدرات، نشاهدهم يشاركون في جلسات لإعادة التأهيل، ونرى رغبة صادقة منهم للتخلص من المخدرات.

في مشهد في بدايات الفيلم نرى روب يوزع بعض الملابس والمفروشات التي سرقها على مجموعة من الفتية في فناء يتجمع فيه الصبية والمعوزين في منطقة فقيرة في نيوجرسي. قد نفاجأ أن ذلك الذي يسرق ويسطو للحصول على المخدر يمكن أن يصدر عنه مثل هذا الفعل الخير. لكن هكذا يصور ألبرت شخصياته في الفيلم، فهم بشر لهم نوازعهم الخيرة والشريرة، وليسوا مجرد مجرمين أو أشرار. هم جميعهم من المهمشين الذين يعيشون على أطراف المجتمع، الذين قد لا يكترث المجتمع بهم قط وقد لا يعيرهم أي اهتمام. يتعامل معهم ألبرت كأفراد يعنيه أمرهم حقا، وليسوا مجرد موضوع لفيلمه، يحترم آلامهم ويتفهم محاولاتهم المضنية لجهاد النفس للتخلص من المخدر. نفرغ من مشاهدة الفيلم لكن ما به من صدق وألم ومعاناة ومحاولات للنجاة والخلاص يبقى معنا ولا يفارقنا. يبدو الأمر لنا كما لو كان حلقة مفرغة من الألم، فهؤلاء الفقراء الذين لفظهم المجتمع وهمشهم لا يجدون مهربا من آلامهم إلا المخدر، لكن المخدر ذاته يخضعهم لسطوته ويدمرهم مجتمعيا وجسديا. نراهم ضحايا منظومة اجتماعية ظالمة وضحايا للمخدر ذاته.

القدس العربي
15/9/2021






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com