أخافُ من النَّصر مثل الهزيمةْ! - إبراهيم نصر الله


في مقال نُشر هنا، كتبتُ عن معنى انتصار الشعب الفلسطيني في هبّته الأخيرة، وهو في ظني، شعبياً، أكبر انتصار تحقق منذ الانتفاضة الأولى، لكنني أدرك أن الانتصارات كالمواليد الجدد، هناك من يرعاهم، وهناك من يتخلص منهم، وهناك من يئدهم، وهناك من يُضحي بهم على مذابح الآلهة الأصنام، أو الأصنام الآلهة، وهناك من يبيعهم ويتاجر بهم، وهناك من يبيعهم بالقطعة، وهناك من يبيعهم كاملين، وهناك من يأكلهم.

«أخافُ من النَّصرِ/ يسرقه القابعونَ هنالكَ/ من عين أُمِّ الشّهيدِ/ ومن صرخاتِ الصغارِ/ ومن سعَفِ النّخل فوق القبورِ.. ومن دمِنا.

وأخافُ من النَّصرِ يغدو لنا بين ليلٍ وصبحٍ سياطاً/ وزنزانةً وطريقاً يؤدّي إلى شِبْهِنا/ وإلى كلّ شيء يسيرُ هنا عكسَ أرواحِنا/ وإلى عَلَمٍ باتّساع بلادٍ.. بلون وحيد».

كان صمت السلطة في رام الله أول تواطؤ ضد الطريق والنصر معاً، واستوحلَ الأمر بتعزية الرئيس الفلسطيني للرئيس الصهيوني بمقتل القناص الذي كان يفتك بأطفال وشابات وشباب غزة، القناص المحصن بأسوار منيعة وأسلاك شائكة، القادم من مدينة احتلها ليطلق النار على أبناء مدينة يُحاصرها.

ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أن السيد الرئيس لم يعتذر، هل كان يخشى عتب فرق القناصين، أم كان يخشى عتب من أرسلوا هذا القناص لقتل أبناء شعبنا. هذا القناص الصهيوني الذي يشكل حالة فريدة في عنصريته، هو وأمثاله، يتباهى بدقة إصابته لركبة فتى أو عين فتاة، أو جبين طفل لم يبلغ العاشرة، وحين تسأله صحافية: لكنكم تطلقون النار على أطفال، فيرد: نحن لا نستطيع أن نطلب هوية كل شخص قبل أن نطلق النار عليه.

الرئيس يعتذر، وكأن هذا واجبه الوحيد، يعتذر عن ماذا؟ هو الذي لم ينبس بكلمة واحدة، أو تنبس عيناه بدمعة واحدة أمام جثامين أكثر من مائة طفل قتلتهم صواريخ الصهاينة في الحرب الأخيرة على غزة.

ما الذي تريده هذه السلطة وهي تهين شعبها بهذه الطريقة، تعتقل الأسير المُحرَّر الذي خرج برأس مرفوعة من السجون الصهيونية، لتذله في سجونها، وتعتقل المثقفين وتسوقهم إلى غرف التحقيق، وتهشّم رؤوس الآخرين وتقتلهم.

متى يمكن أن يتعلموا أنهم عابرون في كلام عابر، تماماً كأعداء شعبهم، ألا يشاهدون ما يحدث في العالم، وكيف تركع الإمبراطوريات واحدة بعد أخرى، وكيف تفرّ وأذيالها بين ساقيها؟

ما الذي يريدونه وهم يسرقون من شعبهم أجمل ما تحقق منذ نكبته: وحدة هذا الشعب، من نهره إلى بحره، ووقوف العالم معه، وصعوده إلى قمم حريته بدم شبابه وابتساماتهم؟

ما الذي يمنحهم كل هذه الثقة في أنهم محصّنون من رياح الغد وعواصفه وأعاصيره.

يدفعنا هذا التردّي لأن نصرخ في وجه كل صامت من الكوادر والقيادات، لنقول له بأنك شريك في كل هذا، شريك في التواطؤ والصمت وغض الطرف وإغلاق الأعين والآذان والضمير الوطني.

لا نستطيع أن نبرئ أحداً، فكل شخص، أياً كان منصبه أو رتبته، شريك في كل تردٍّ يحدث، وشريك في كل تنازل يتم. وكل من يضع القيود حول معاصم أبناء شعبه، أو يسلبهم حريتهم في غزة أو الضفة، شريك في هزيمة شعبه.

لقد أوصلوا هذا الشعب إلى درجة مرعبة من المقايضة، كأن تقرأ تعليقاً لشابة أو لشاب حول اعتقالات وجرائم السلطة: «ولماذا لا تتحدثون عما يجري في غزة؟!» فيكتب شاب من غزة: «نحن نرضى باعتقالات الضفة، مقابل أن نتحرر من وضعنا الأمرّ هنا».

هل بات على شعبنا، الرازح تحت قيود الاحتلال، أن يهرب من القيود إلى القيود، بعد أن باتت انتصاراته التي حققها حصصاً توزع على دول خارجية، لتأخذ كل منها ما يرضيها ويُحرم شعبنا من نصره، من ثمرة دمه، وتحرم شعوب من مشارق الأرض إلى مغاربها من كلمة شكر توجه إليها، كما لو أن النصر ملك شخصي لحماس توزّعه على من تريد.

انتصارات شعبكم ليست ملكاً لكم، فلسطين ليست ملكاً لكم، لا لمن يتربعون فوق صدر شعبها في رام الله ولا من يظنون أنهم وحدهم من يحقق لها الانتصارات في غزة.

فلسطين ملك لكل من حمل رايتها في الجليل والخليل والشيخ جراح وباب العامود وسلوان وشوارع جنوب إفريقيا ولندن والبرازيل وعمّان، وأمريكا اللاتينية وفي كل مكان. وغزة كانت جزءاً من النصر، لا النصر كله. هذا النصر الذي تمّ تبديده لا على حساب شهداء الضفة وجرحاها وحدهم، بل على حساب شهداء وجرحى وبطولات غزة نفسها أيضاً.

«أخاف من النَّصر بعد انتهاء المعاركِ/ رُبْعِ المعارك أو كلِّها/ وأخاف الظلامَ الذي في الحديدْ

وأن لا يكون لأشجارنا وثيابِ البناتِ وجدَّاتِنا أيُّ لونٍ.. ولا فسحةٌ حرّةٌ في كلام النشيدْ»

فلسطين لكل من ضحّى ولكل من احتضنت شهيدها واحتضن شهيدَه، وبعد هؤلاء كلهم يمكن أن يكون هناك شكر لمن دعم، أو وقف وقفة شجاعة، مع أن الشجعان لا يطلبون شيئاً مقابل شجاعتهم، أو شرفهم، أو إخلاصهم، أو مبادئهم، أو إيمانهم، فحصتهم من المجد أنهم شرفاء وشجعان ومخلصون.

لقد نالت دول خارجية من المديح أكثر مما نال شهداؤنا من الصلوات على أرواحهم، من قبل الذين يوزعون انتصاراته، ونال العدو الصهيوني من التعازي والحداد على مجرميه القتلة أكثر مما نال أطفالنا من عزاء، وآباؤهم من تعاطف.

من يجاهر أنه مُحرِّرُ شعبه عليه ألّا يحرم هذا الشعب من حريته، وهو في طريقه إلى حريته، ومن يعتقد أنه بسلطته قادر على إغلاق فم شعبه، فهو يمهد لاستمرار احتلاله، إذ لم يعرف التاريخ أوطاناً حرّرها مستعبَدون أو حرّرها مستعبِدون.

طريق طويل على الفلسطيني أن يقطعه قبل أن يصل إلى لحظة انتصاره، فلا تطيلوا الطريق بقمعكم لهذا الشعب، دعوا البشر يتنفسون، ويواصلون حياتهم باتجاه يوم حياتهم الأكبر، يوم حريتهم، ولا تقودوه بالسلاسل نحو انتصار موعود، أو سلام مخصي. هذا الشعب يريد أن يقاتل بأيد غير مقيدة، وأفكار غير مقيدة، وحرية غير مقيدة، بلا قيود حُكْم باسم اليقين المطلق، وبلا تذلل حُكْم باسم الخنوع المطلق.

… أخافُ من النَّصرِ حين يكون لنا في الصباحِ إذا ما مشينا، ضَحِكْنا، انتشينا/ وفي الليل يحشدُ عسكرَه ويُغيرُ علينا.

أخافُ من الكلمات الفقيرةِ من أيِّ معنىً/ ومَنْ تدّعي أو تُراوغُ والكلماتِ الحصينةِ والكلماتِ العليمةْ

أخافُ من النَّصر مثل الهزيمةْ!

عن القدس العربي
1/9/2021






® All Rights Reserved, Wajih Mbada Seman, Haifa.
WebSite Managed by Mr. Hanna Seman - wms@wajihseman.com